حلب والموصل وقضايا أخرى
بلا شك أن الأحداث التي جرت في الأيام الأخيرة في سوريا، خاصة في مدينة حلب عصب البلاد الاقتصادي سابقاً، قد حركت كثيرًا من الشجون لدى الناس في سوريا أو الشرق العربي، أو حتى فئات متعددة في بلدان العالم الأخرى، ممن يتابع موضوع الأزمة السورية والحرب الأهلية الدائرة هناك. لكن الغافلين وحدهم من ظنوا أن هناك مخرجًا سهلًا للأزمة المحتدمة منذ ثلاث سنوات تقريباً في تلك المدينة المنكوبة، التي لجأ إليها كل من دعمته جهة خارجية في أتون هذه الحرب الطاحنة، أو أراد تحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية أو تفاوضية على حساب آلاف البشر الذين وقعوا بين فكي الجماعات الإرهابية والمنتفعة وبعض الجهات المقاومة من جهة، وقوات النظام المدعومة من الروس والإيرانيين وحزب الله من جهة أخرى. وهل يظن عاقل أن الروس، الذين غامروا منذ سنتين برمي كل ثقلهم خلف بقاء النظام، وهيمنته على أجزاء مهمة من سوريا، سيتركون هذه المدينة المهمة في قلب الشمال السوري، وفي الطريق بين تركيا وحوض المتوسط دون استعادتها، حتى ولو أحرقوا كل من فيها؟ فالقضية واضحة، بأن تأجيل الحسم فيها قد اتُخذ، ليكون في الفترة الميتة بين نهاية رئاسة أوباما واستلام خلفه لسلطاته في البيت الأبيض، ومن هنا يكون للروس وحلفائهم اليد الطولى في تقرير مخرج هذا الجيب المستعصي على النظام السوري منذ اندلاع الحرب الأهلية قبل قرابة ست سنوات. وكذلك يستطيعون فرض شروطهم لاستسلام الجهات المعادية للنظام دون تدخل من إدارة أمريكية منتهية ولايتها، أو واحدة لم تستلم الحكم بعد. أما الأوروبيون، فسواء شارك بعضهم في التشاور مع الروس، أو أخِذوا على حين غرة، فإنهم لا يستطيعون تغيير الأوضاع على الأرض، إلا بصورة غير مباشرة من خلال التلويح بالعقوبات وغيرها على الفاعل الروسي على الأرض. أما الموصل، التي وقعت في قبضة إرهاب (داعش)، وبين أخذ ورد في سبيل تخليصها منهم، ووقوعها في قبضة قوى مختلفة الميول والتبعيات، مما يوحي بأنها مقبلة على استقطاب للهوية، وأن تكون مجالاً لنزوح جماعي وهجرات ديموغرافية كبيرة، وأنها ربما تمثل مع حلب قطبي كيانات جديدة في إطار التشكل خلال السنوات القادمة. ولا يلحظ المتابع وضوحًا في الرؤية إزاء مواقف الجهات المؤثرة في مصير هذه المدينة وما حولها؛ إذ لا يتبين من مواقف الأكراد، ولا الأتراك، ولا الروس، ولا الأمريكان، الذين يؤثرون في سير الأمور خلال هذه الحقبة في تلك المنطقة، ما الذي ينوون فعله فيها، أو كيف يحددون هويتها والجهات التي تسكنها أو تتحكم فيها. وهي منطقة تشابه حلب في مركزيتها، وقيمتها الاستراتيجية للهلال الخصيب بكامله، أو لحوض دجلة، بوصفه المدخل الشمالي لمنطقة الرافدين، وإحدى مناطق الحدود الطبيعية والديموغرافية التي توقف عندها الروس في تداخلهم مع القوات التركية (العثمانية) من جهة، وقوات الحلفاء المتجهة من العراق إلى الموصل شمالاً أثناء الحرب العالمية الأولى. ما الذي يمكن للمتابع أو صاحب القرار في البلدان المحاذية لهذه البقع الملتهبة الوصول إليه من رؤى، أو مواقف سياسية أو استراتيجية؟ في الواقع أن الأهم في هذه الحقبة (وهي بالمناسبة لا تتجاوز أشهراً أو سنوات قليلة) أن لا تكون النظرة أفقية إلى الأمور في منطقة الشرق الأوسط برمته؛ بل لا بد من التوقع (بالنسبة للمتابع) والاستعداد (بالنسبة لصاحب القرار) لما هو أسوأ في منطقة ثالثة، تمثل مع الأخريين مثلثا، يمكنه أن يتسع أو تتبعج أضلاعه، ليصبح شكلًا رباعيًا!