د. فالح العجمي

الطاسة ضايعة يا سمير

انطلاقاً من هذا المثل الشعبي الحديث، الذي لا أدري عن مدى انتشاره في المجتمع، لكنه يحمل دلالة انفراط الوضع إلى الدرجة التي لا يُعرف فيها كيف يتم ترقيعه، أو يُظن بأنه لا يمكن عمل ذلك الترقيع لتعارضه مع أسس غير موجودة. سنركز على الطاسة المتعلقة بقضايا المرور وأخلاقياته، وهي قضايا أربكت المجتمع كثيراً، وتسببت بعض مشكلاتها في فقدان الأرواح بأعداد كبيرة تفوق ما فقدته البلاد في كل حروبها منذ التأسيس وحتى الآن، إضافة إلى عشرات الآلاف من الإصابات الخطيرة، والخسائر المادية المرهقة، وحالات الألم والأسى والتوتر، التي تعاني منها الأسر وأصدقاء المفقودين أو المصابين، بل وحتى مواقع العمل، التي تتأثر بضياع تلك الطاسة من خلال ما ينعكس على بيئة العمل من تأخير وسوء إنجاز وغيرهما. وفي ظني أن مشكلات المرور وكوارثه الحالية تنشأ من سببين جوهريين؛ أحدهما يتعلق بإدارة المرور وتعليماته لأفراده ودورياته، أو مدى تطبيقهم لتلك التعليمات إن كانت موجودة، والآخر يرتبط بخصلة بنيوية في سلوك قائدي السيارات في السعودية. وقد يكون السبب الأول ناشئاً عن الثاني أو العكس، كما سنبين ذلك في محاولة تحليل الوضع أدناه. ففيما يخص العامل الأول، يلاحظ كثير منا، خاصة في المدن الكبيرة وعند تقاطع الإشارات أن هناك رجال مرور ودوريات واقفة في التقاطع، وأحياناً تكون أنوار الدورية الملونة مشتعلة، ومع ذلك نجد مخالفات جسيمة تجري أمام أعينهم من قطع الإشارة إلى عكس الطريق وصولاً إلى أهونها في نظر رجال المرور والسائقين (وهي ليست هينة كما سنرى في تحليل العامل الثاني)، ولا يحرك رجال المرور ساكناً، بل تجدهم واقفين يتفرجون، أو في سياراتهم وبأيديهم جوالاتهم. أما السبب الثاني، فهو أكثر كارثية؛ حيث أظن أن ما يزيد على نصف السائقين لا يستحقون رخصة القيادة، حتى وإن كانوا يحملونها، لأن المبادئ الأساسية لمعرفة السير بالمركبة على الطريق غير متوفرة عندهم لا معرفياً ولا سلوكياً. وأؤكد على افتقاد الناحيتين، لأن الخلل السلوكي مشهود به في شوارعنا، لكن الخلل المعرفي يتضح أيضاً عندما تشير إلى أحدهم ممن يرتكب خطأ فادحاً بكلام أو منبه، فيستغرب وربما يظن أيضاً أنك إنسان معتدٍ وأهوج. لن أعدد المخالفات المرورية في الجانبين المعرفي والسلوكي، التي يعرفها كل من يستخدم الطريق، ويراقب حركة المركبات فيه، لكني سأذكر المشكلة الرئيسة، التي تسبب الأزمات الحقيقية في الشوارع الرئيسة، وأبين سببها السلوكي. فمن أراد تحليل أسباب الاختناقات المرورية لدينا، ووجود خطوط طويلة من السيارات على طرق دائرية واسعة، لا توجد عليها إشارات مرورية، ولا يمثل عدد السيارات المستخدمة لتلك الطرق ضغطاً كبيراً عليها، سيكتشف أن الخلل الرئيس في تلك الازدحامات ينشأ عندما يتقلص عدد المسارات (من أربعة إلى ثلاثة أو من ثلاثة إلى اثنين مثلاً)، نتيجة لوجود تحويلة أو أعمال في أحد المسارات أو حادث وقع في الطريق. ونتيجة للأنانية التي أصبحت صفة ملازمة لسائقي السيارات على الأراضي السعودية، يريد كل سائق أن يدخل إلى المسار السالك دون مراعاة لأحقيته من عدمها، إضافة إلى أعداد كبيرة تأتي من خارج المسارات لتدخل إلى هذا الطريق بدافع الأنانية أيضاً (التي يصنفونها لأنفسهم بأنها شطارة، أو أنه «ذيب»)، فيصبح المضيق كارثياً؛ سواء كان على طريق سريع أو عند بعض الإشارات، لتكتشف بعد تجاوز المضيق أو الإشارة أنه لا يوجد عائق إلا في السلوك المشين للسائقين. فهل العامل الأول ناتج عن اليأس من إصلاح الثاني، أم العكس؟