خليل الفزيع

المسامح كريم

قبل أيام كثر الكلام عن التسامح بمناسبة اِليوم العالمي للتسامح، ومع أن الإسلام قد أوصى بالتسامح كقيمة إنسانية وحضارية عظيمة، ووسيلة ناجحة للتعايش بين البشر، إلا أن الناس قلما يتعاملون به في علاقاتهم الخاصة والعامة، لذلك تنشأ الخلافات بين أفراد الأسرة الواحدة، وقد تصل هذه الخلافات إلى حد القطيعة، كما تنشأ الخلافات بين الناس في تعاملاتهم اليومية، وربما تتفاقم لتصل إلى درجة من الضغائن والأحقاد التي تقطع كل الخطوط الموصلة للتفاهم، وتنسف كل الجسور التي يمكن أن تحقق الحوار المفضي إلى نزع فتيل أي خلاف قائم أو محتمل، وكأن الإنسان قد جبل على الخصومة مع أن فرص التسامح هي الأقرب إلى طريق الخير، وهي الأجدى للوصول إلى الحلول الوسط إن استحالت الحلول الكاملة. كان الرسول صلى الله عليه وسلم متسامحا ليس مع أصحابه فقط، بل حتى مع من يعادونه، فكان يسأل لهم الهداية ويقول: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). وعلى سنته صلى الله عليه وسلم سار خلفاؤه الراشدون، ومن اهتدى بهديه صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين، وبذلك ملكوا قلوب الناس، ونشروا الدين الحنيف في كل البقاع، فالتسامح هو المفتاح للقلوب القاسية، وهو الطريق للنفوس العاتية، وهو السحر الحلال الذي يحيل العتب إلى رضا، والغضب إلى حلم، بل هو أداة الوصول إلى تحقيق الأهداف المستعصية في العلاقات الإنسانية، وفي هجير عدم التسامح، تنبت جذور حنظل الخلافات، وتنمو أشواك النزاعات، وفي ذلك نزغ من الشيطان والعياذ به، عندما تطغى في اللحظات الحرجة مشاعر الغضب، فلا يستطيع العقل السيطرة على جموح هذه المشاعر، ليحدث ما لا تحمد عقباه. والتسامح لا يعني فقط تهدئة أمواج الغضب العاتية، ولكنه يعني أيضا توفير الكثير من الجهد والوقت، وكثيرة هي تلك القضايا الشائكة التي قد يستغرق حلها وقتا طويلا من الزمن، وبذل كثير من المال، وقضايا ترفع في المحاكم، ومحامون يترافعون، وتأجيل يليه تأجيل، وقد ينتهي عمر أحد طرفي الخلاف، دون أن ينتهي هذا الخلاف، مع أن اللجوء للتسامح يمكن أن يختصر الطريق، ويختزل الزمن، ويوفر الجهد الضائع، لو أمكن تجنب الغضب، والتخلي عن العناد والمكابرة والتعسف في التعامل مع الأمور التي يمكن التعامل معها بشيء من التسامح.المؤسف أن هناك من يرى في التسامح ضعفا، أو تضحية بما لا يجب التضحية به، وهذا نوع من التشدد في فرض الرأي، وضرب من العناد في عدم التخلي عن هذا الرأي، وهو الأمر الذي يغيب عنه التوازن في النظر إلى الأمور، فميزان الربح والخسارة ليس دائما هو المقياس الناجح في تقييم الأمور، بل إن للعوامل الإنسانية من الأهمية ما لها، بحيث يفترض ألا تغيب عن الإنسان في حالات اتخاذ القرار، ولن يكون هذا القرار عادلا ومنصفا إذا تجرد من تلك العوامل الإنسانية، ومن يرى التسامح ضعفا ينسى أنه موقف يبرز قوة الإنسان وليس ضعفه، والواثقون من أنفسهم هم أكثر الناس تسامحا مع غيرهم، لأنهم يملكون من القناعات الذاتية ما لا يمكن زعزعته بمجرد التسامح.. إنهم يرون في هذا التسامح دليلا على أصالة الرأي، وقوة الموقف، وثبات المعتقد، فالآراء والمواقف والمعتقدات التي يمكن أن يربكها التسامح أو يضعف من شأنها، هي آراء ومواقف ومعتقدات هشة، لا تكتسب قوتها من ذاتها، بل من المدافعين عنها، انتصارا لأنفسهم وليس انتصارا لها.وسواء حدد العالم يوما للتسامح أو لم يحدد، فإن هذه القيمة الإنسانية والحضارية التي دعا إليها الإسلام، جديرة بأن تكون مستقرة في وجدان كل مسلم، في تعامله مع نفسه ومع أسرته ومع من حوله، ولعل القيادات الإدارية مهما كان موقعها من المسئولية بحاجة أكثر للتعامل بالتسامح مع من هم في نطاق مسئولياتها، وبالطريقة التي تؤدي إلى مزيد من الانضباط والتفاني في حب العمل، ليحقق ذلك مزيدا من الإنتاج المثمر، والتفوق الدائم، ومن كان فظا غليظ القلب، فلن يكون النجاح حليفه في تعامله مع مرؤوسيه، وليس من الحكمة الظن بأن التسامح في إدارة الأمور قد يؤدي إلى التسيب، بل هو مدعاة لاكتساب الثقة بالنفس، وحافز لزيادة الإنتاج، عندما يشعر الإنسان أن هذه التسامح الذي حظي به جدير بأن يقابل بالامتنان، وليس هناك أفضل من الاجتهاد في العمل لترجمة هذا الامتنان. تسامحك هو الدليل على ثقتك بنفسك، وهو الدليل على حسن تقديرك للأمور، وتذكر دوما أن المسامح كريم.