التمرد من المحاصرة إلى المحاصصة
إلى وقت قريب كان الغرب يصنف إيران وكوريا الشمالية ضمن محور الشر أو الدول المارقة، وذلك بناء على تعاطيهما مع مقررات المجتمع الدولي، وكان هذا التصنيف أحد بنود الحصار الذي يحد نوعا ما من سلوك وتمرد هذه الأنظمة، ويدفعها إلى التروي بعض الشيء في مواصلة نزقها، أو تلبية شهوات قياداتها في التنمر. إلا أن هذا التصنيف الذي كان يعلو ويهبط وفقا لمعطيات الواقع، وموازين السياسة الدولية، لم يصمد طويلا بعدما تراخت إدارة الرئيس أوباما التي تميل إلى إبرام العقود حتى وإن كانت مؤقتة لتتخلص من تبعات المواجهة، مما سمح لإيران أن تنفذ من ثقوب سياسة التراخي الأمريكية لتمارس أبشع أنواع المروق عسكريا وأيديلوجيا في طول المنطقة وعرضها دون أن تجد من ينهرها، مستفيدة من رفع اسمها عمليا من تصنيف الدول المارقة أو محور الشر، رغم أنها لم تتخل قيد أنملة عن ممارساتها التي دفعت الغرب الأوروبي وأمريكا لوضعها على القائمة السوداء، التي جرى تبييضها عنوة بمعاهدة الاتفاق حول برنامجها النووي، وتبعا لهذه الحال فإنه من الطبيعي أن يُنتج هذا الواقع المأزوم قياداته، بحيث يصبح اسم قاسم سليماني الموازي تماما للإرهابي عماد مغنية أحد قيادات المرحلة التي يجوز أن تمر عبر السجادات الحمراء، ويصبح الحشد الشعبي الموازي تماما للدولة الإسلامية جناحا من أجنحة الجيش العراقي، وتصبح الكتائب التي تحارب باسم الجيش السوري أبناء الشعب في حلب عنوانا للشرعية، ويصبح حزب الله الإرهابي شريكا في السلطة في لبنان، ويصبح المتمردون الحوثيون الذين ينهبون الشرعية في اليمن فصيلا سياسيا يجوز التحاور معه. طبيعي جدا أن تختلط الأوراق إلى هذا المستوى، وطبيعي جدا أن تُظهِر المرحلة قياداتها التي تناسب مقاساتها، ونوع قماشها، وطبيعي أيضا عندما تختل المعايير أن يخلع الإرهابيون والمارقون عن وجوههم صفة الإرهاب والمروق، ويتحولون إلى قيادات، ويبدون وجوههم الكالحة للكاميرات دون أي حرج، لأن التفاوض مع الإرهاب لا بد وأن يكون نوعا من تطهير كفوفه. ما تشهده المنطقة من زلازل، ومهازل، نتيجة وليس سببا، نتيجة لتداخل المحاور، فمحور الشر تعرّض للتصحيف فيما يبدو ليكون أي شيء إلا الشر، وهنا تغيّر التعامل الدولي معه، وإن لم يُغيّر هو لون جلده أو شيئا من سلوكه، كل ما في الأمر أن ميليشياته أصبح يتم التعامل معها بمنطق التعامل مع الدولة، في الحوار والتفاوض والمباحثات، ما سمح لها أن تهزأ بالمقررات الدولية كما يفعل الحوثيون الآن عندما يتفاوضون مع الغرب ومع المندوب الأممي كما لو أنهم وضعوا القرار 2216 وراء ظهورهم، كما حدث في مسقط مؤخرا، لأن سياسة التعامل مع الأمر الواقع لن تقود إلا لكسر هيبة الدول، ورفع رؤوس الميليشيات المتمردة، ومحاصصتها، وهانحن نشاهد بأم أعيينا كيف خلع المجتمع الدولي عن حزب الله والحشد الشعبي والحوثيين كل عناصر المروق ليقيم من خلالهم أطرافا اعتبارية يتم التعامل أو التحالف معها دون أي حرج أو غضاضة، وهو ما سيدق على المدى الطويل آخر المسامير في نعش الدولة الوطنية، ويجعلها نهبا للتمرد الأقوى إن لم يستدرك المجتمع الدولي عبثية رفع أوزان وقيمة تلك الميليشيات، ويُلجم نهمها للسلطة والاختطاف.