أمن الخليج العربي ومعركة المصير الواحد
أكتب لكم من المنامة، حيث تتواصل فعاليات التمرين الخليجي المشترك الأول الذي يقام تحت عنوان «أمن الخليج العربي واحد»، التي تنفذها كافة دول الخليج الست، وذلك في القطاعات الأمنية البرية والبحرية والجوية، وتستضيفه مملكة البحرين بهدف زيادة قدرات القوات المشاركة على مكافحة الاعمال الارهابية، إضافة إلى تبادل الخبرات والمعلومات الأمنية بشكل واسع. جاءت هذه الفعالية تنفيذا لما تقرر في الاجتماع التشاوري السادس عشر لأصحاب السمو والمعالي وزراء داخلية دول المجلس الذي عقد في الدوحة. وتأتي هذه التدريبات بعد أيام من اختتام تدريبات بحرية سعودية بحرينية مشتركة حملت اسم «جسر 17» بهدف تحقيق التنسيق والتعاون والتكامل في مجال الأسلحة البحرية بين البلدين. كما تأتي هذه الفعالية كذلك بعد ثلاثة أسابيع من اختتام القوات البحرية السعودية تدريبات «درع الخليج 1» في مياه الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر عُمان، وضمن تشكيلات من القوات البحرية في الأسطول الشرقي السعودي شملت السفن والطائرات ومشاة القوات البحرية ووحدات الأمن البحرية الخاصة.أعتقد ان «أمن الخليج العربي 1» وكذلك «جسر 17» و«درع الخليج 1» لم تقتصر على مجرد الاستعراض العسكري لدول المجلس وانما كان للتوقيت السياسي دور مهم، وبالتالي فقد حاولت دول الخليج من خلالها ارسال عدة رسائل: الرسالة الاولى: الى التنظيمات الارهابية وفي مقدمتها تنظيم داعش الارهابي. فهذه التنظيمات التي استغلت المشهد الفوضوي الذي خلفته الاحداث العربية من عدم الاستقرار السياسي في كثير من الدول، والترهل في مؤسساتها الامنية والسيادية، مما اوجد لها بيئة خصبة للتمدد الجغرافي في الجوار المباشر لدول الخليج لاسيما في العراق وسوريا واليمن والمغرب العربي. ثم بدأت بتجنيد واستقطاب كثير من شباب الخليج من خلال رسائلها الإعلامية المتطرفة للالتحاق بها والمشاركة في مناطق الصراع. ولم تكتف بذلك بل تجاوزته الى دعوة خلاياها النائمة والمتعاطفين معها، لتبني مجموعة من التفجيرات الارهابية داخل دول المجلس من خلال استهداف المساجد واللحمة الوطنية وقتل الاقارب، كاشفة عن وجهها الحقيقي بنشر الدمار وبث الفوضى ونشر الفتنة الطائفية بين المواطنين وزعزعة الأمن والاستقرار في دول المجلس. وبالتالي، حولت هذه التطورات المتسارعة والخطيرة لهذه التنظيمات الارهابية من مجرد تهديد محتمل لدول الخليج ليصبح خطرا حقيقيا وواقعيا، يستوجب ضرورة التنسيق والتعاون بين دول الخليج.أما الرسالة الثانية التي حاولت دول الخليج ارسالها فهي الى ايران. قلت كثيرا عن ايران وتدخلاتها في المنطقة ودول الخليج وكنت أحتاج في بدايات الامر الى شواهد وبراهين كثيرة لإثبات فرضيتي الا ان المجاهرة الايرانية بالتدخلات في شؤون المنطقة وعلانيتها على الملأ سهلتا المهمة. فلا يوجد شخص يخالف هذه الحقيقة الا ان يكون مكابرا او يعيش في عالم غير هذا العالم الذي نعيش فيه. فمنذ توقيع ايران الاتفاق النووي مع الدول الكبرى في يوليو من العام الماضي، وهي تجاهر بسلوكها العدواني ونزعتها التوسعية والتدخل في شؤون دول الجوار ومواصلة العبث بأمنها واستقرارها واثارة النعرات الطائفية بواسطة الجماعات والميليشيات الطائفية التابعة لها. وبالتالي فوجود قوات أمن دول المجلس الست في تمرين أمني مشترك، رسالة واضحة الى ايران ان دول الخليج سوف تواجه التهديد الايراني بكل جدية والتزام ولن تتردد لحظة واحدة في الدفاع عن مصالحها وامنها واستقرارها. فدول الخليج يجمعها خليج واحد ووطن واحد ومصير واحد، وأنها تقف جميعا صفا واحدا ضد أي تهديد يمس دول المجلس.اما الرسالة الثالثة فهي رسالة للجميع بأن دول المجلس اصبحت فاعلا رئيسيا وداعما لأمن واستقرار المنطقة. فبعد الاضطرابات التي عمت المنطقة منذ أواخر عام 2010، والتي قادت الى حالة من الفوضى العارمة والاضطراب مما ادى الى فقدان الاستقرار السياسي في كثير من دول المنطقة، اظهر التنسيق الامني والسياسي الخليجي لمواجهة التحديات الخارجية والعمل مع المجتمع الدولي لاستقرار المنطقة سواء على المستوى السياسي كما في الملف السوري والعراقي او العسكري كما في الملف اليمني او المستوى المالي كما حصل في الملف المصري ودعم الاقتصاد المصري حتى لا تسقط مصر في مستنقع الافلاس والفوضى، ان دول الخليج هي مركز الثقل السياسي والدبلوماسي العربي ولا مناص من أخذ زمام المبادرة في السعي الى استقرار المنطقة وعدم الانزلاق إلى مستنقع الفوضى الإرهابية. فدول الخليج تعي بشكل واضح أن تحقيق الاستقرار في هذه الدول، ينعكس على استقرار دول الخليج بصفة خاصة والمنطقة بصفه عامة. فكلما زاد الامن والاستقرار في المنطقة انعكس ايجابا على أمن الخليج وموارده الاقتصادية.وأخيرا تنفيذ قوات دول الخليج هذا التمرين الامني الكبير، تتويج للجهود التي بذلها اصحاب السمو والمعالي وزراء داخلية دول المجلس، منذ اكثر من ربع قرن في سبيل التنسيق والتعاون الامني بين دول الخليج والتي بدأت بالتوقيع على الاتفاقية الأمنية الشاملة في 1982 والان نشهد حصادها بهذه الخطوات المتقدمة على كافة المستويات الامنية.* محلل سياسي وباحث في العلاقات الدولية