سالم اليامي

فوضى العملاء والضحايا

في صيف عام 2013م كنت برفقة أحد الأصدقاء الليبيين نقضي بعض الشؤون الخاصة في حي الظهرة- وسط العاصمة الليبية طرابلس- الذي يميزه وجود سوق صغير في إحدى زواياه، وفيما نحن ننتظر إشارة المرور تسمح لنا بالحركة لفت انتباهي رسم ساخر على جدار مقابل يصور العقيد القذافي وقد قذف به من أعلى منصة، وكتب تحت الرسم ما معناه أن اللقمة كانت تكفي الجميع، ولكن النظام أصر على أن يأكل كل شيء بمفرده!!كان الكل محتقنا في تلك المرحلة، وكانت الطموحات كبيرة بالخلاص من الماضي إلى ما هو أفضل وكانت الأحلام الوردية تملأ مستقبل الناس وخيالاتهم، وذاك ما جعلني أتردد في سؤال صديقي الذي كان مشغولا بالقيادة وسط زحام السيارات، إلا أنني لم أفوت هذه الفرصة وتحدثت مع أكثر من صديق حينها وأكاد أجزم أن الناس منهم العاديون، ومنهم التكنوقراط وبعض السياسيين كان لديهم شيء من الفكرة التي تضمنها الرسم الجداري. إلا أن هذا التصور وكما بينه أكثر من شخصية ليبية سواء من الشخصيات التي كانت تقوم بأدوار سياسية وسلطوية في زمن النظام السابق أو حتى من أنصار الثورة ومرحلة فبراير لم يكن دقيقا أو ممكنا وهو الأهم لأن هناك من يرى أن موضوع إسقاط النظام وتغييب رمز القذافي كان مخططا أجنبيا يتعلق بأمور أخرى تذهب بعيدا عن الشأن الليبي إلى الدوائر الاقليمية والإفريقية بنحو خاص والعروبية والأممية. المفيد أن ذلك الرسم وبغض النظر عن محتواه السياسي كان واحدا من الرؤى التي يختلف حولها الناس في ليبيا. وهم ومنذ سنوات يختلفون على كل شيء وبشكل قسم الليبيين إلى إخوة أعداء. ومن المؤلم أنه في الآونة الأخيرة استمعت إلى حديث مطول لشخصية ليبية كانت مؤثرة في زمن النظام السابق تحدثت لدقائق طويلة بما خلاصته وخاصة فيما يخص الفرقاء، أن الليبيين يمرون بما يمكن تسميته حالة احتراب العملاء والضحايا!! والمقصود من هذا الوصف واضح ولا يقدم للمعضلة في البلاد الليبية سوى المزيد من الغموض. من نافلة القول تذكير الناس بأن التدخل الأممي في ليبيا جاء تحت بند حماية المدنيين في وجه إصرار النظام حينها على إخماد ما كان يسميه بالاضطرابات في البلاد بالقوة، السؤال الذي تأخر، وتأخرت الإجابة عنه في هذا الصدد يتمحور حول، هل كان بالإمكان وبطريقة فعلية عملية إنشاء وقيام عملية سياسية سلمية تحمي المدنيين من بطش النظام، وفي الوقت نفسه إقناع أهل السلطة حينها بتقاسم اللقمة مع الناس بالصورة التي تحدث عنها الرسام الذي ملأ بالألوان والحروف جدارا في منطقة الظهرة؟ البدائل كانت صعبة والقبول بحلول مثل تغيير منظومة الحكم المتأصلة خلال عقود أمر ليس بالهين، بقيت عملية اصلاح النظام وإمكانية ذلك. وهذا مسار في زعم كثير من المراقبين من أصعب الأمور خاصة في بلدان العالم الثالث التي غالبا لا يقوم الحكم فيها على منظومات قانونية وقيمية. إنما كثير من تفاصيل السلطة إما محفوظة في قلوب الرجال، أو متوارثة عبر وصايا الأجداد. وهذه كانت معضلة أخرى ساقت البعض وربما بشييء من الاستسهال إلى مقولة عدم قدرة النظام على تطوير، أو إصلاح نفسه. الأسرار كثيرة والألغاز أكثر فيما حدث ويحدث على الأرض الليبية، و لم يدهشني كثيرا سؤال في إحدى الفضائيات مؤخرا حول جثمان العقيد القذافي، وأين مكانه وهل عرف المكان أو القبر الذي دفن فيه الرجل! ومع غياب إجابات مؤكدة حول هذا السؤال وما على شاكلته لم يبق في ذاكرة الناس حول هذه النقطة الكثير بعد هذه السنوات، وإن كان هناك من يتذكر بعض التفاصيل فلربما تلك المشاهد التي بثتها الكاميرات لجثمان الرجل وهو مسجى على مرتبة في أحد المواقع العامة في مدينة مصراتة قيل حينها إن المكان عبارة عن مستودع تبريد عمومي للحوم والخضار!! ولكن من قام بعملية القتل وكيف قتل الرجل، وهل تتحمل مصراتة كمنطقة وكإقليم وكبعد بشري ومناطقي وسياسي أثار أو تبعات قانونية في المستقبل أو الآن. لا أحد يعرف، كما أن لا أحد يعرف حقيقة الجدل الذي ثار ويثور أحيانا حول من الذي قتل الرجل هل هم الثوار بغض النظر عن انتمائهم المناطقي، أم هي القوى الأجنبية التي كانت تحاصر السماء وتتابع تحركات الجميع على الأرض!! عندما تغيب الحقائق لا يبقى للناس إلا الشائعات، وتقاسم الوهم، ومما يشاع حول هذا الامر وفي بعض أروقة الصحافة الدولية وربما بشكل متعمد لاحياء الحديث عن شخصية القذافي الجدلية، وربما لتناول شيء من الفوضى والتعليق على بعض مظاهرها في البلاد الليبية القول ان هناك من افراد عائلته من لا يزال يعرض وبسخاء ملايين الدولارات لمن يدلهم على مكان الجثمان، والقبر. ربما للتعامل مع الموضوع ومع رفاته بصورة مناسبة وتوضيبها بصورة تليق بشخصيته كما يعتقدون لا اكثر لان ذلك سيجيب عن سؤال ولكنه لن يغير في واقع ليبيا شيئا، وهذا هو المهم. حتى وإن قيل إن هناك تخوفا من أن يصبح القبر مزارا سياسيا للأتباع والأنصار في ليبيا وغيرها، ففي الغالب ان هذا ليس المهم الآن وان الاكثر اهمية تسخير ما تبقى من ثروة الناس للمصالحة، وللحل السياسي ولوقف لغة التخوين وتقسيم الناس إلى عملاء وضحايا، فالكل ضحايا إن لم يتنادوا إلى كلمة سواء.