حسن السبع

شيء اسمه «الحضور السلبي»

من أمراض البيروقراطية المزمنة شيء اسمه «الحضور السلبي». وهو وقت ضائع وحضور غير منتج. وقبل أيام، أثار موضوع الإنتاجية زوبعةً من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، وزوبعةً أخرى على شكل مقالات صحفية تردد المعزوفة نفسها. وكقارئ حريص على وقته، يمكنك الاكتفاء بعنوان واحد من سيل العناوين والمضامين المتشابهة. لكن الحضور السلبي واقع لا يمكن إنكاره، ولا يمكن في الوقت نفسه تعميمه على الجميع. هنالك «تروس» بشرية مجهولة تدير آلة العمل، وتبذل بصمتٍ مجهودات مضاعفة لإنجاز واجباتها الوظيفية. مع ذلك، توجد في كل وسط بيروقراطي- من قاع الهرم الوظيفي إلى قمته- نماذج تجسد ذلك الحضور الصوري. وإذا كان «الوقت من ذهب» كما يقال، ففي ذلك الحضور غير المنتج هَدْر للمال. للحضور السلبي أكثر من وجه. تأمل، على سبيل المثال، هذا العنوان «جولة تفقدية». وهو مثال يخص رأس الهرم الوظيفي. ودعنا نتخيل العناوين الجانبية لهذا العنوان الرئيس: صور لسعادته أو معاليه مع مجموعة من المرافقين أثناء الجولة يلتقطها مصور إدارة العلاقات العامة. يلي ذلك اجتماع بالقيادات الإدارية، ثم خبر في صفحة (المحليات) عن تلك الجولة وذلك الاجتماع. ثم يهدأ كل شيء. غير أن هذا التصور لا يمكن تعميمه أيضا. أما إذا بقي الحال على ما كان عليه قبل الجولة، فإن هذا مثال جيد على الحضور غير المنتج. أورد هذا المثال باعتباره نقيضا للإخلاص. ذلك أن «الإخلاص مجهول وصامت» كما يقال. أي إنه بعيد عن أضواء الكاميرات. في مجال الثقافة حضور مماثل، أي حضور شكلي غير فاعل، أو تواجد سطحي بلا عمق. حضور يمارسه الفرد، وتمارسه المؤسسة أيضا. ولا يخلو وسط ثقافي من ذلك «الحاضر الغائب» الذي يتواجد في كل المؤتمرات والمهرجانات والمنتديات والأمسيات وعلى الشاشات وصفحات الصحف والمجلات. وهو حضور سلبي عالي التكلفة عديم الجدوى. ولكي تحظى بمثل هذا الحضور الاخطبوطي المكتف وغير المنتج عليك أن تشغل موقعا إداريا له صلة بالثقافة، أو أن تمتلك مهارات في تسويق الذات تساعدك على التمدد والانتشار، أو أن يحالفك الحظ فتجد نفسك ضمن «شلة» شعارها «الأصدقاء أولا».وفي مقابل هذا التمدد والانتشار السلبي، وعلى النقيض منه، يمكنك أن تطلق صفةَ «الغائب الحاضر» على من يبقى تأثيره الثقافي ماثلا رغم رحيله أو بعده عن الأضواء. ذلك هو الحضور المؤثر الذي يُعدُّ تحديا للنسيان وانتصارا على الغياب. حضور لا يحققه إلا من كرَّس حياته بحثا عن ضوء المعنى لا ضوء الشهرة. أعود فأقول: لا يقتصر «الحضور السلبي» غير المنتج على الأفراد، بل هي حالة تصيب المؤسسات أيضا. وقد نشهد في بعض المؤسسات تضخما بيروقراطيا ذا مردود متواضع. وإذا كان «الحضور الإيجابي» على المستوى الثقافي يقاس بالجودة لا بالكمية، أمكن طرح الأسئلة التالية: ما الحصاد الثقافي لكل تلك الاستعراضات المهيبة التي تأتي على شكل مهرجانات وملتقيات وأسابيع ثقافية وندوات ومحاضرات تقام هنا وهناك؟، وما غاية تلك النشاطات؟ وما نتائجها؟ هنالك، أيضا، مؤتمرات عالية التكلفة، تُعقد ثم تعقبها سلسلة من التوصيات، سرعان ما تتوسّد النسيانَ في رفٍّ من رفوف الأرشيف. وهنالك كتب تطبع، لكن أي لون من الكتب؟ هل هي من تلك الكتب التي يقترح جورج جرداق إيقاف طباعتها رحمة بالأشجار التي تقتل ظلما وعدوانا لتتحول إلى أوراق تحتضن الخواء؟ أسئلة كثيرة، لكن المساحة المتاحة لا تتسع لأية إضافة. إلى اللقاء.