متى تتعلم السياسة من التصميم العالمي؟
يعرف التصميم العالمي (Universal Design) على أنه «تصميم المنتجات والبيئات لتكون قابلة للاستخدام من قبل جميع الناس، إلى أقصى حد ممكن، دون حاجة إلى تكييف أو تصميم متخصص.» وهذا التعريف بحسب مركز التصميم العالمي (Center for Universal Design) ومقره في جامعة ولاية شمال كارولاينا. بعد أن أنتج فرع يعنى بالتصميم لتلبية متطلبات المعيشة لذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت فكرة التصميم العالمي بشكل أوسع لتشمل جميع الناس دون الحاجة للازدواجية في التصميم لتطوير منتجات أو بيئات قد تكون مناسبة فقط لذوي الاحتياجات الخاصة. النهج المتبع في التصميم العالمي هو تبني احتياجات أضعف فئة وأكثرها محدودية في الحركة، فإن ناسبهم تصميم معين ناسب الجميع. فعلى سبيل المثال يعاني من لديهم التهاب المفاصل من عدم المقدرة على مسك بعض الأدوات وبهذا يكون تصميم المقبض أساسيا في نجاح تصميم الأداة مثلا. لذا يتم التركيز على تصميم مقبض مناسب لمن لديهم التهاب المفاصل بحيث لا يتطلب قوة ضغط مثلا ويكون مصنوعا من مادة خفيفة وله مقاس وشكل مناسب. ويتم تجربة المنتج في مراحل التصميم الأولية والنمذجة حتى يستقر التصميم بما أظهرته نتائج التجربة المتكررة بأنه ناجح أو على أقل تقدير أنجح من التصاميم المتوفرة حاليا. لو أخذنا القوة وبراعة استخدام اليدين كمثال سوف نجد أننا نتكلم عن شيئين مختلفين ولكل منهما مجال مستمر يتدرج من الاتقان إلى العجز التام وهاتان الميزتان في استخدام اليدين تختلفان من شخص لآخر. فالطفل مثلا الذي ما زال يفتقد البراعة والقوة يكون في أحد أطراف هذا المجال، بينما الإنسان الصحيح البالغ يكون في طرفه الآخر كونه قويا وبارعا. بين هذين الطرفين مجال ممتد يتوزع عليه الناس بفئات متفاوتة في البراعة والقوة. عندما نود أن نصمم شيئا لدينا اختيار في تحديد مدى قدرة المستهلك في الاستخدام، ولكن لو صممنا لأضعف فئة كما هو في التصميم العالمي نتأكد من أن الغالبية العظمى لن تجد صعوبة في الاستخدام. اتباع نهج كالتصميم العالمي يؤكد على أهمية جميع المستهلكين دون تجريمهم أو عقابهم بعدم إمكانية استخدام منتج لسبب ما، وبهذا يدعم النهج الشمولية وعدم التفرقة والتمييز. ما أود أن اقترحه اليوم هو أن النظرة الشمولية للمجتمع هي أحد الأسس التي تضمن العدالة الاجتماعية دون التمييز بين فئة وأخرى. فلو تعلم متخذو القرار من التصميم العالمي مثلا لكان أساس اتخاذ القرار مبنيا على تبعاته على أضعف فئة في المجتمع. لست بسياسية ولكن مثل غيري لا يمنعني هذا من مشاركة غيري الأفكار والآراء حول ما أراه ونعيشه. ففي الفترة الماضية توالت القرارات والتغيرات كبدايات للتحول الوطني ٢٠٢٠ وبهدف تحقيق رؤية ٢٠٣٠ فتركت خلفها موجة من التساؤلات لأمور لم تتضح بعد آليات تنفيذها وتأثيرها طويل المدى. فعند السؤال عن حال البدلات مثلا انقسم المجتمع لفئات حسب المرجعية، ونظرا لاختلاف الحال توالت أسئلة كانت في مجملها بصيغة «ماذا عن هؤلاء؟» أو «ماذا عنا نحن...؟» لتبدأ المقارنات وتحليلات الاستحقاق. لكل قرار تأثيرات مباشرة على حياة الناس يستلزم من وجهة نظري وضع خط الأساس في أدنى مستوى ليشمل المجتمع بأكمله. ازدواجية التعامل تحدث فجوات بين الفئات المختلفة وإن تبين قصور ما تم إجراء تصحيحي خاص يؤكد على التمييز ويعطيه صفة مؤسساتية يصعب مسحها لاحقا. ليس في صالح المجتمع بأكمله أن نتعامل مع كل فئة على حدة وكأن الحالات كلها خاصة. لا يمكننا أن نعتبر الطبقة الوسطى هي المثال الطبيعي وخط الأساس ونرفعه نموذجا لبيان قلة الضرر بينما نكتشف لاحقا أن مستحقي الضمان الاجتماعي ما عاد يُضمن لهم العيش. بالتركيز على أضعف فئة وضمان عيشهم الكريم تتحقق العدالة الاجتماعية وعند وضعهم نصب أعيننا دوما لن نتمكن من نسيانهم وسوف نجتهد لرفع مستوى المعيشة للجميع. في مجال التصميم أيضا مرونة في تتابع المحاولات لحل المشكلة التصميمية، بحيث يتم تحسينه مرة بعد مرة بسرعة كبيرة وبناء على معطيات من مراحل التجربة والتغذية الراجعة (Feedback) ممن يجربون النماذج الأولية فأين السياسة من هذا التفاعل والتوافق مع معطيات التغذية الراجعة؟.