خليل الفزيع

حكمة الصمت.. وشهوة الكلام

ليس من باب الحكمة والصواب كثرة الكلام، فمن كثرت عباراته، كثرت عثراته، وعثرات اللسان أسوأ من كل العثرات، لذلك قيل: (رب كلمة قالت لصاحبها دعني) لكن بعض المسئولين - وربما غير المسئولين - تقودهم شهوة الكلام للنطق بما لا يليق بهم ولا بمناصبهم، وهو الأمر الذي يدل على عدم تقدير العلاقة بينهم وبين المواطن، كما يدل على عدم إدراك معنى المساواة بين المواطنين، عندما يرى المسئول أنه أعلى من غيره مكانة، مع أن ولي الأمر قد عينه لخدمة المواطنين، وليس للتعالي عليهم، واستعراض عضلاته أمامهم، وفي هذا عدم وفاء للأمانة الموكلة إليه، وعدم تقدير للمسئولية المناطة به، رغم أدائه القسم أمام ولي الأمر بتحمل المسئولية والمحافظة على مصالح الدولة وأنظمتها، وأداء أعماله بالصدق والأمانة والإخلاص، وليس من الأمانة ولا من الإخلاص ولا من الصدق التعالي على المواطن، والاستهانة بوعيه، وتمرير الوعود العرقوبية عليه، والتسويف في الاستجابة لمطالبه النظامية، وهذا ما يلاحظ على أقوال وأفعال بعض المسئولين، وهم لحسن الحظ قلة، إذا ما قورنوا بزملائهم الأكثر حرصا على مصلحة الوطن والمواطن، والذين يؤدون أعمالهم (بالصدق والأمانة والإخلاص) بما عاهدوا ولي الأمر عليه. ثمة أمر لا بد من الانتباه له وهو أن هناك فرقا بين هفوة اللسان، والإصرار على تكرار التعالي والاستهانة بالمواطن، وليس من العدل التعامل مع هفوات اللسان، بنفس القدر من اللوم والتقريع الموجه لمن يتعالى على المواطن ويستهين بحقوقه، وما تثيره مواقع التواصل الاجتماعي حول هفوات بعض المسئولين، من زوابع لا تخدم المسئول ولا المواطن، هو أمر مستغرب، فالمواطن ليس في مجال تصفية حسابات شخصية مع هذا المسئول أو ذاك، وجل ما يطلبه المواطن هو تقدير ظروفه، واحترام مطالبه، والاستماع لصوته، والاهتمام بشكواه، والحكمة في التعامل مع هفوات اللسان هي الاجدى بعيدا عن الإثارة، وتأجيج الخلاف بين المسئول والمواطن، فلا يجوز أن نستعرض عضلاتنا على من نظن أنهم يستعرضون عضلاتهم ضدنا، ولا أسوأ من السوء سوى مجاراته، والانسياق في التعامل به، بدافع مظنة السوء، وهي مظنة ليست في محلها إذا أخذنا بمبدأ حسن الظن، وخاصة بالنسبة لعثرات اللسان، وما يليها من استدراك بالرجوع إلى الحق والاعتذار، والرجوع إلى الحق فضيلة، والاعتذار مهارة لا يتقنها إلا من يثقون بأنفسهم.لكن التعامل مع المسيئين للمواطنين، والمستغلين لمناصبهم، لا بد من التعامل معهم بحزم كبير، وردع شديد، لا يعرف المهادنة أو المجاملة، وما يصدر من عامة الناس ربما لا يؤخذ مأخذ الجد، لكن ما يصدر من المسئول هو انعكاس لما يحمله من مواقف سلبية أو إيجابية، وهو وإن كان يعبر عن موقفه الشخصي فقط، إلا أن هذا الرأي ينعكس على موقف المؤسسة التي يديرها، وهنا الطامة الكبرى عندما يكون المسئول الأول يحمل تفكيرا سلبيا عن علاقته بالمواطن، فماذا تكون سياسة مؤسسته غير أنها انعكاس لتفكيره، وهذا هو سبب المواجهة الحادة بين المواطن ومن يسيئون التصرف معه، أو يسيئون الظن به، وبقدراته الإبداعية وإنتاجه المتميز في مجال عمله.المنصب القيادي ليس وجاهة، وليس سببا للممارسة الخاطئة، وليس وسيلة لإذلال أصحاب الحاجة، وليس منبرا لممارسة شهوة الكلام غير المسئول، ولكن المنصب مسئولية وأمانة أولا وأخيرا، وفي الأثر: (قل خيرا أو اصمت). وهي عبارة يجب أن تعلق على باب مكتب كل مسئول يقول أكثر مما يعمل، لعلها تذكر من لا يتذكرون.. بواجبهم تجاه المواطن. فمتى تغلب حكمة الصمت على شهوة الكلام لدى بعض المسئولين؟.ليس من حق أحد أن يعتدي على غيره لا بالقول ولا بالعمل، وتصريحات وتعليقات بعض المسئولين غير المسئولة تشكل نوعا من الاعتداء على المواطنين، إذا أدت إلى انتقاص حقوقهم، أو الاستهانة بجهودهم، أو تجاهل وعيهم، أو التشكيك في ولائهم، فالمواطنون مع الدولة في السراء والضراء، يذودون عنها بأرواحهم، ويفتدونها بالنفس والنفيس، ويضحون من أجل عزتها وكرامتها - التي هي عزتهم وكرامتهم - بكل ما يملكون، وهم في ذلك فوق كل الشبهات، أو الأقوال المبطنة، أو التصريحات الصاخبة، من أي مسئول.