عن فوز «البارد» ديلان بجائزة نوبل
كما هي العادة بُعيد إعلان الفائز بجائزة نوبل للآداب، ارتفعت بعض الأصوات للتعبير عن الاحتجاج أو الاستغراب تجاه فوزالشاعر الغنائي والمغني بوب ديلان بالجائزة لهذا العام. والجميل أن بعض «الحالات أو التعليقات الفيسبوكية» المعبرة عن الاستغراب والاندهاش لعبت دور المحفز والمنشط لذاكرتي، إذ تذكرت كيف أن الفضاء الثقافي الذي وُلِد فيه ديلان وكتب وغنى، اعترف به، وتوجه شاعرا. ليس هذا فحسب، بل رفعه إلى مقام الشعراء العظماء، بأن لقبه بـ(the Bard/الشاعر)، لقب لم يحمله سوى عدد قليل من الشعراء، أتذكر منهم ويليام شكسبير، شاعر ايفون (Bard of Avon، ويليام وردزورث، شاعر ريدال ماونت)، (Bard of Rydal Mount روبرت بيرنز)، شاعر ايرشير (Bard of Ayrshire)، وإلسكندر بوب، شاعر تويكنهام (Bard of Twickenham)، ولا بد من ذكر رابندرانات طاغور، شاعر البنغال (Bard of Bengal)، الذي تربط ديلان به علاقة قربى قوية-- ألم يرحل طاغور عن الدنيا تاركا ضمن إرثه الشعري ما يزيد على ألفي أغنية؟ ينبغي أن أشير الى أن الكلمة (bard) اكتسبت معاني مختلفة من العصور الوسطى الى العصر الحديث، لا يتسع الحيز لعرض تاريخ تغير معناها/معانيها.لم أطلع، قراءة أو استماعا، على بيان هيئة الجائزة، لكن يمكن القول من زاوية الاحتمال إن هذه الخلفية كان لها دور، بغض النظر عن حجمه، في منح ديلان الجائزة. ويبدو لي أيضا، وقد أكون مخطئا، أن الهيئة نظرت إلى ديلان بعيني الناقد الثقافي. بالتأكيد ليس الناقد الثقافي الأناني الذي أحيا سيرة قابيل بقتل أخيه الناقد الأدبي بتعدديته المنهجية ودفنه في الفناء الخلفي في «بيت النقد»، وأغلق كل نوافذه عدا نافذة النقد الثقافي. الناقد الثقافي، الذي أعنيه هنا، وأعتقد أن الهيئة نظرت بعيونه الى ديلان وشعره الغنائي، هو الناقد الثقافي المتسامح والقادر على التعايش مع المختلف، الذي لم يحول الفناء الخلفي لبيت النقد إلى «جبانة»، الناقد الثقافي الذي أخرج النقد بالفعل من عزلته خلف «الجدار العازل» بين الثقافة العليا والثقافة الدنيا، لإيمانه الراسخ بأنه ينبغي أن تبقى كل النوافذ في «بيت النقد» مفتوحة على المشهد الثقافي الإنساني، تماما مثل «بيت السرد» في تنظير الروائي الأمريكي هنري جيمس.لا يوجد في «بيت السرد» نافذة واحدة، يقول هنري جيمس مُنظِرا، بل مليون نافذة، عدد من النوافذ تطل كلها على المشهد الإنساني، وتوفر كل واحدة منها زاوية رؤية، منظورا خاصا ومختلفا على ذلك المشهد، وهذا هو حال «بيت النقد»، أو هكذا يجب أن يكون من وجهة نظري، بنوافذ كثيرة مشرعة دائما، وخاليا من الأضرحة. يكشف اختيار ديلان أن هيئة جائزة نوبل نظرت إلى شعره من نافذة النقد الثقافي في «بيت النقد»، كما يستدل على ذلك من هدمها «الجدار العازل» بين شعرالمركز وشعرالهامش. بالتأكيد أن من استغربوا فوز ديلان بالجائزة لم ينظروا إلى شعره من تلك النافذة. انهم يشبهون في ذلك الناقد الذي يصرعلى وجود ثقافتين، عليا ودنيا، وأن الأولى مجال اشتغاله، متعاليا على ما ينتج ثقافيا على الجانب الآخر من الجدار.