حلب وغياب الضمير العالمي
أمام مأساة حلب الشهباء لم يعدْ هنالك مكان للضمير العالمي الذي انقسم في هذه القضية إلى موقفين، إما موقف الشريك في هذه الفاجعة كما هو الدور الروسي والإيراني والميليشيات المتحالفة مع نظام الأسد الفاشي في قتل الحلبيين، ودفنهم أحياءً تحت ركام منازلهم، أو موقف المتفرج الذي يكتفي بالمناورات السياسية كما هو موقف الغرب والولايات المتحدة، طبعا إضافةً إلى القلق إن كان يمكن عدّه موقفا من قبل الأمم المتحدة، وأمينها العام. ففي الوقت الذي تصب فيه القاذفات الروسية وحوّامات النظام القذائف والبراميل المتفجرة على رؤوس سكان الأحياء الشرقية في حلب، وينبش المواطنون بأيديهم المجردة أنقاض المباني بحثا عن أحياء، لانتشال جثث الأطفال والنساء والشيوخ أمام مرأى ومسمع من العالم، ينعقد مجلس الأمن بكامل أعضائه لمعالجة الموقف في حلب، لكنه فضلا عن حل المعضلة يعجز عن تثبيت هدنة صغيرة لإيصال المساعدات الطبية والغذائية للمواطنين هناك، لا بل تتنامى المزايدات القذرة فيه بالتصويت على قرارات تتيح للقاتل الإمعان أكثر فأكثر في القتل، كما لو أنها تريد أن تشدّ على يده لمواصلة عدوانه على المدنيين ولو بذرائع واهية، بعد ما وفرت ذريعة مواجهة الإرهاب له ما يحتاجه لمحاولة استرداد سلطة الأسد الغاربة عن المدينة منذ زمن، في مشهد حضر فيه الموت والجوع والفزع والركام والدخان الأسود في أرجاء حلب، وغاب عنه تماما الضمير العالمي أمام الفيتو الروسي الذي قوض المشروع الفرنسي الذي قاتلتْ من أجله المملكة لرفع الحيف عن رؤوس المدنيين، وإتاحة الفرصة لفرق الإغاثة، خاصة بعد أن طال العدوان ما تبقى من المستشفيات والمراكز الصحية التي كانت تعمل بالحد الأدنى فقط لتضميد الجراح. إن انكفاء الشرعية الدولية عن القيام بدورها والاضطلاع بمسؤولياتها الأخلاقية تجاه ما يجري في حلب ليس فقط هو الخزي بعينه، وإنما هو فوق ذلك اندحار فاضح للبعد الأخلاقي الأممي الذي ما عاد يجد في تلك الدماء المعفرة بغبار الأنقاض ما يحرك شجونه، أو يستدرّ دمعة تعاطف من عينه التي ترقب هذا المشهد المأساوي الرهيب بهذا القدر من اللامبالاة، وهذا العجز الذي يسمح للقاتل أن يرفع يده في القاعة الأممية ليوقف أي كلمة حق تريد أن تأخذ على يده لتمنعه من الإمعان في القتل، وهو ما يُقدّم لسابقة خطيرة ستقود مجلس الأمن إلى المزيد من الفشل الذريع في إدارة الخلافات الدولية، مما يتيح للقوى النافذة أن تستنزف دماء الشعوب، وتحول أجساد مواطنيها بدوافع سياسية وجيوسياسية إلى حطب لمخططاتها دون مراعاة حرمة الدم الانساني أو أي احترام لحقوق الانسان. وهو بذات الوقت مؤشر خطير إلى ما وصل إليه المجتمع الدولي من تصعيد مصالح بعض الأنظمة والدول على حساب دماء الأبرياء، وهذا ما دفع المملكة لأن تخوض حربها الدبلوماسية في محاولة لإيقاظ الضمير العالمي، وترقية البعد الإنساني للحفاظ على ما تبقى من أطفال حلب الذين أصبحوا يشربون دخان القنابل، وغبار الأنقاض عوضا عن الحليب، هذا إن لم تدفنهم البراميل المتفجرة تحت أسقف منازلهم، ليكتبوا بدمائهم في سجل التاريخ الحديث شهادة موت الضمير العالمي.