قوالب التكفير والوعي..
أحد أشكال تضليل الوعي الذي يمارس ضد الأفراد في أي مجتمع؛ محاولة بعض الناشطين فرض رؤى لا تتناسب مع مصالحهم أو رغباتهم كأفراد. وقد يستخدم في هذا النوع من التضليل أو الإقناع الخاطئ، الجانب العَقَدي لدغدغة المشاعر أو الثقافي تحت ذريعة احترام العادات والتقاليد الاجتماعية.. ليس فرضا على أي فرد (حر، عاقل، راشد) أن يتنازل عن طموحه أو رغبته في العيش والتفكير بطريقته التي يرغبها ويرتضيها لذاته أيا كان شكلها، لمجرد أنها لا تتوافق مع «النموذج المقبول أو المثالي» الذي رسمه المجتمع.. أحيانا يرسم المجتمع أهدافا مثالية وطريقة حياة نموذجية لا تتفق مع إمكانات ورغبات معظم أفراده!! بل ان المجتمع في كثير من الحالات يروج لنماذج مثالية من الحياة والعيش ولكنه لا يوفر الفرص المناسبة لبلوغها.. على سبيل المثال، يعلي من قيمة العمل واستثمار الفرص وبناء المستقبل ولا يهيئ في مقابل ذلك الأرضية التعليمية والفرص الوظيفية والاستثمارية لأفراده إلا في حدود ضيقة لا تفي بالاحتياج.. أيضا يقنعهم بأهمية العلم والإبداع والاختراع ثم يهمش منتجاتهم الإبداعية والفكرية لأنه لم يضع القنوات المناسبة لاكتشافها واستثمارها.. ويتفاقم الظلم عندما نرجع أسباب فشل الأفراد في بلوغ أهداف المجتمع المثالية إلى أسباب تتعلق بقدراتهم أو امكاناتهم.. أعتقد أن أبرز مأزق واجه مكافحة الإرهاب والجريمة والانحراف لدى الشباب، هو اختلال المعايير وفقد الثقة بقيم المجتمع وصحتها وعدالتها، والذي ترافق مع وجود (الوعظ الديني والاجتماعي والنفسي المتناقض) ففي المجال الاجتماعي والنفسي هناك تناقض كبير، أحياناً، بين الدعوة النظرية إلى مبادئ الصحة النفسية وتحقيق الهدوء والراحة العقلية والجسدية وبين ما يوفره لك المجتمع من أسباب ترفيه وامتصاص للطاقة السلبية واحتواء للتوترات الحياتية.. أما المجال الديني فالمأزق يتجلى في الذين يروجون لتهميش قيمة الحياة مقابل قيمة الموت، وهذا سبب لتخرج كل ألوان الإرهاب والمشاكل النفسية عند البعض.. الجريمة والانحراف والانتحار والإرهاب، قضايا مختلفة لكنها ذات منشأ يكاد يكون واحد، وهو اختلال معايير الصواب والخطأ بشكل حدي يرتفع في بعض حالاته إلى درجة عالية من اللامبالاة وفقد الثقة بمعايير المجتمع وعدم احترام اختلافاته الحادة في بعض صور الحياة.. أعتقد أن المجتمع بحاجة إلى النظر في بعض قضاياه الفكرية والسلوكية بشيء من الجدية والمعالجة، والتي منها قضية التناقض ومحاولة قولبة الأفكار والعقول في أنماط ومنتجات متشابهة تهمش الاختلاف الفكري والنفسي والعقلي للأفراد.. ففي قضية التناقض لا أعتقد أن أحدنا يحتاج أن يعيش سنوات طويلة ويتعرض لخبرات متعددة ليفهم أن هناك تناقضا حادا بين ما يدور في الأفق النظري لقيم الأخلاق والتعليم والدين وبين ما يدور في ساحة الواقع الفعلي في سلوك الناس وأفعالهم الاجتماعية.. أما في قوالب التفكير الموحد التي يحاول المجتمع أن يحجم أو يصنع فيها عقول وسلوك أفراده فأعتقد أنها أصبحت غير فعالة وغير نفعية لمصالح الافراد في ظل كثير من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي مرت وسنمر بها في حياتنا.. أخيرا..أحد أشكال الوعي الزائف أن تؤمن بما يتنافى تماما مع مصالحك أو امكاناتك أو رغباتك، وتعتقد أن مجرد التفكير في نقضها أو تغييرها عيب اجتماعي..