المملكة ومواجهة التحديات بالحكمة واللغة الهادئة
التحديات التي تواجهها المملكة في هذا المفصل التاريخي، تحديات كبيرة، ومتعددة، وغير مسبوقة، فقدرها أن تكون في موقع المسؤولية القيادية إسلاميًا وعربيًا وإقليميًا للحيلولة دون تمدد الأطماع الفارسية، التي وجدتْ ضالتها في حال الشتات العربي، ودخول عدد من مكوناته في حالة من الاضطرابات والنزاعات، التي كانت إيران ذاتها أحد أسباب اشتعالها، ما جعل المملكة ـ مطالبة إسلاميًا وعربيًا بدعم الشعب السوري الجريح لمواجهة حرب العصابات، التي يشنها النظام مدعومًا من إيران وروسيا وحزب الله والفيالق الطائفية العراقية، وكذلك التصدي لذات المشروع في الجوار اليمني حماية للشرعية هناك، وقطعًا لدابر المخططات، التي تطمح للتسلل إلى العمق الوطني قبل أن يقف الجيش السعودي الباسل أمام تلك التحركات المشبوهة.إلى جانب هذه المشكلات التي تكفي لإشغال أي بلد وصرفه عن مخططاته التنموية، وعرقلة مسيرة الحياة اليومية فيه، كان على المملكة مع شقيقاتها في دول الخليج الوقوف إلى جانب البحرين، حماية لسيادته، وحفظًا لمكوناته من الانجرار خلف دعوات التفتيت الطائفية الإيرانية. وقد تمكنت المملكة بفضل الله أولًا، ثم بفضل عدالة مواقفها من التصدي للكثير من المؤامرات، التي كانت تسعى لتقويض دورها كرأس حربة لحفظ الحقوق العربية والإسلامية، وبقيتْ جبهتها الداخلية بفضل وعي المواطن السعودي عصية على الاختراق، حتى إن الكثيرين ممن زاروا المملكة، لم يستطيعوا أن يجدوا أي رابط بين ما يقع على الحدود الجنوبية، وحالة الاستقرار الداخلي، ولكن ليس هذا هو كل ما في سجل التحديات التي واجهتها ولا تزال تواجهها المملكة، فالجميع يعرف ما حدث في مؤتمر جروزني، الذي تقف خلفه بعض الجهات التي لا تريد خيرًا للأمة، وتسعى لأن تجعل منه منصة لتمزيق الممزق، وتجزئ المجزأ، إلى جانب التحدي الأكبر والمتمثل فيما حدث أخيرًا فيما يتصل بمشروع قانون «جاستا»، وكلها تحديات من العيار الثقيل، غير أن المملكة وبحكمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيزـ أيده الله- الرجل، الذي خاض غمار العمل السياسي على مدى ما يزيد على نصف قرن، وخبر أساليبه وطرائقه وآلياته، وأدرك بفطنته أن ردود الأفعال الساخنة قد تطفئ بعض الغضب لبعض الوقت، وقد تحقق أصداءً جماهيرية، لكنها بالتأكيد ستضع المزيد من العراقيل أمام الحلول المنطقية. الذي يتأمل رد الفعل السعودي على مشروع «جاستا»، واللغة الهادئة والرصينة، التي خاطبتْ بها الدبلوماسية السعودية المشرّع الأمريكي بوصفه هو صاحب الشأن، يُدرك كيف كسبت السياسة السعودية احترام المجتمع الدولي، لأنها لا تدار بغوغائية الصخب، ولأنها تعرف أن الحق لا يتأتى بالصراخ كما فعلتْ إيران حينما أدينتْ بمحاولة اغتيال الأستاذ عادل الجبير عندما كان سفيرًا لبلاده في واشنطن، ثم لأنها تؤمن أيضًا أن البراءة لا تنجز من خلال الضجيج، وإنما يتم انجازها بالأيدي الطاهرة والبيضاء، التي تتعفف عن الأذى وإبرام الدسائس للآخرين، وتحترم العقود والمواثيق والشرائع الدولية، وهو ما لا تجيده الأنظمة، التي تنشب أظافرها في خواصر جيرانها، ثم ترفع عقيرتها بالبكاء كما لو أنها هي مَنْ يتعرض للأذى، ظنًا منها أن الصراخ سيطفئ وهج الحق، أو يحرفه عن مداره، وهذا هو الفرق.