الصحة بين الإنسانية وبروتوكولات العلاج
أشفق كثيرا على معالي الدكتور توفيق الربيعة، وأدرك أنه يحمل على كاهله عبئا يكفي لضرب علاقته مع النوم، خاصة في وزارة كوزارة الصحة التي لم يسبق أن نالت رضا أحد من خلق الله، فهي دوما في خانة الملامة، وفي مدار تهمة التقصير، حتى وصفها البعض بأنها مقبرة الوزراء، إذ لم ينج ممن توزروها سوى النزر اليسير، ولا أريد أن أسمي حتى لا أفتح بابا من الجدل يصعب إغلاقه. وحده غازي - يرحمه الله - كان ذكيا، وأدرك بفطنته أنه سيخوض فيها حربا مع طواحين الهواء لو فتش عن الغاية التي لا تُدرك، فخلع بشت الوزير على باب مكتبه، و(دق لطمة) المواطن وراح يتعقب أوجه التقصير، ويتقصى عثرات الاستقبال وآليات مقابلة الحالات، ما أكسبه ثقة الناس، لينأى بنفسه قليلا عن تبعات هذه الوزارة وقصر باعها. لذلك أي وزير يقبل أن يجلس على كرسي هذه الوزارة هو وزير شجاع، ويلزم أن نحييه لهذه الصفة على أقل تقدير، لأنه سيظل - مهما اجتهد - أوفر المسؤولين حظا في النقد العارم، وأقلهم نصيبا من الثناء، والدكتور توفيق الذي ترك لنا أطيب الانطباعات في وزارة التجارة، تلك الوزارة الممحوة من ذاكرة المواطن قبل أن يجعلها بجهوده وتفانيه وزارة المواطن رقم واحد، بانحيازها إليه، ربما بات يحمل مسؤولية أكبر في وزارة الصحة بحكم الثقة الكبيرة التي يعول بها المواطن عليه، رغم اختلاف البيئة والظروف والمسؤوليات، ورغم اختلاف المهمة والرسالة، بل رغم اختلاف تعاطي المواطن مع المهمتين. وزارة الصحة في تقديري وزارة إنسانية بالدرجة الأولى قبل أن تكون وزارة خدمة، أو هكذا يُفترض أن تكون، فهي تتعامل مع الإنسان في أضعف حالاته، لذلك من شأن حالة انسانية واحدة يتم التغافل عنها، أو تركها للروتين والبروتوكولات إلى أن تتأزم أن تقوض عشرات الاستراتيجيات، وهنا أتحدث بالمنظور الشعبي العام، وهو ما تنبه إليه الدكتور غازي، وأعطاه ما يستحقه من الاهتمام. ويتفق كثير من الناس على أنه نجح في ذلك، ولأن منجزات الدكتور توفيق في التجارة قدمته كإنسان بالدرجة الأولى، فإني أستكثر أن يستمر لجوء الناس ممن لديهم حالات مرضية خاصة في عهد هذا الرجل إلى وسائل التواصل لتوسل أو تسول العلاج هنا وهناك، سواء باستعطاف المسؤولين أو محاولة تحريك مشاعر بعض القادرين. وبين يدي الآن كنموذج فقط فيديو لحالة إنسانية حادة جدا لطفلة يبدو أنها مصابة بنوع من أمراض الجلد الفقاعي، وهي تتألم بين يدي والدتها التي لا حول لها ولا قوة، سوى أن تتجرع مع صغيرتها ألم وقع صرخاتها التي تقطع القلب. والسؤال: أليس من واجب وزارة الصحة - عوضا عن هذه المهانة التي تركت فيها المرضى من غير القادرين يتسولون علاجهم عبر يوتيوب - أن تتبنى هذه الحالات عبر استحداث منصة الكترونية لاستقبالها، بإشراف معالي الوزير نفسه أو أحد معاونيه، كحالات إنسانية لا تقبل التأجيل، على أن تُكلف المديريات في المناطق بمعاينتها وكتابة التقارير عنها لنقلها للعلاج إلى مستشفيات الداخل، أو الخارج وفق طبيعة الحالة؟