عندما غاب صناع الجريمة
في كل حج مضى يعود الحجاج إلى بلدانهم فيقولون: هذا العام كان أفضل، فقد تحسن ذاك وهذا... في كل عام من الأعوام البعيدة والقريبة كانت عجلة التطور مستمرة بالتغيير والمعالجة والخطط، وفي كل عام كانت الجهود تبذل من أجل التسهيل على الحجاج في أداء مناسكهم بدءاً من الماء الذي يشربونه مروراً بالماء الذي يتطاير رذاذه عليهم للتبريد وغيره وغيره من صغائر الخدمات وأكبرها، ناهيك عن المشاريع الضخمة التي تكلف الدولة مليارات كالتوسعة والقطار والشوارع وشق الجبال والخدمات الصحية الرفيعة المستوى، فعندما يأتي الحاج سيجد حبة المسكن وبالبساطة نفسها سيجد من يجري له عملية القلب المفتوح في حال احتاج لها، فمقدار ما يقدم يوازي ميزانيات دول وهذا من فضل ربي على هذه الأرض التي لم تحجب خيراتها عن إخوتها في العروبة والدين ولا ينكر هذا إلا جاحد وحاقد أو أجير لدى أحدهما. فما الذي حدث في حج هذا العام ؟ ولماذا رأينا ما رأيناه من صور رائعة للأداء العملي في كل القطاعات التي ساهمت في خدمة الحجيج؟إن المشاهد الأخيرة التي نقلت لنا من مكة عندما كان شبابنا من الجهات العسكرية المختلفة يقفون في صف طويل استعداداً للخروج وهم يحتفلون فرحة بالإنجاز والعطاء وحباً للوطن ويرددون لأجل الوطن يرخص الغاليمادامت أرواحنا حيه فاجأهم الحجاج بمد أكفهم للمصافحة بفرح ودعاء وتقديم كلمات الشكر والتقدير لهم. كان المشهد جميلاً حضر فيه الحب بقوة، الحب الذي كان بالفعل علامة فارقة في حج هذا العام 1437هـ.فقد كان الشباب من الجهات الأمنية المختلفة يبذلون الجهد نفسه في كل عام ولكن عملهم برز أكثر في هذا العام؛ لأنهم لم يجدوا من ينغص عليهم لذة العطاء، ولم ينشغلوا عن عملهم في متابعة وتوجيه الحجاج بنقل الجثث أو متابعة المتسببين من صناع الجريمة... فقد تفرغوا لعملهم الأمني والتنظيمي حين غابت إيران وتهيأت الفرصة للحب الإنساني الراقي أن يفرد أجنحته بين الحجاج الذين أتوا تقرباً لله لا لغيره، لقد غاب ذلك الحاج الذي يصرخ طالباً الثأر، وغاب معه حاج آثم يتعمد معاكسة السير ليتسنى له أن يدوس على العجزة والصغار، ولم يكن هناك حاج بدرجة مجرم يدس المتفجرات والسكاكين و الحجارة وأعواد الكبريت والغاز الخانق ليرتكب جريمة الترويع التي تقلب سير الحج الهادئ إلى حالة من الهياج والذعر والموت.غابت ايران.. فبدا كل شيء يسير كما خطط له، ولم ينشغل الناس عن ذكر ربهم بجرائم خلقه... يا لعظمة الله وما أجمل تدبيره حين جعلهم يمتنعون عن أداء الحج ويصدرون فتاواهم الجديدة في أفضلية الحج إلى كربلاء. لكي يعلنوا للعالم كله أن غيابهم عن مكة والمدينة أسهم بإبراز هذا الجمال، وهذا النجاح، وهذا الحب الذي رأيناه في مكة هذا العام ليس لمن حجوا فقط، وإنما لنا نحن في بيوتنا ونحن نتابع تفاصيل الحج ساعة بساعة ونتبادل الصور والفيديوهات التي تصور أجمل المواقف الإنسانية الرائعة لعسكريين تعددت رتبهم العسكرية وتدرجت ولكنهم جميعاً كانوا برتبة إنسان يصدر الرحمة والحب لكل من يتعامل معهم. في العام الماضي كان الشباب من العسكريين والكشافة والمتطوعين يقومون بمهامهم على أكمل وجه ولكن حادثة مفتعلة واحدة كانت كفيلة بجعل الناس في الداخل والخارج يتحدثون عنها أكثر مما يتحدثون عن غيرها؛ لأنها فاجعة مؤلمة، ونحن ندرك تماماً أن السيطرة على هذه الجموع الغفيرة من الناس في حالة الهلع تصعب جداً فصرخة واحدة كفيلة بتراكض الناس وتدافعهم فكيف بهم عندما يكون الترويع مفتعلاً كما كان يفعل صناع الجرائم الايرانية طوال السنوات الماضية وبطرق مختلفة.انقضى الحج ونحن جميعاً في كل مكان نتابع صور جنودنا وهم يحملون على أعناقهم الصغير والكبير يسقون هذا، ويروحون عن ذاك، يحتضنون الصغار حين يتعذر ذلك على أهلهم. ويدلكون أطراف كبار السن إن لزم الأمر. ومع كل ذلك الجمال كان لابد أن نتساءل لماذا غاب صناع الجريمة ؟ لا أرى شيئاً منعهم من الحج سوى الخوف فقد عرفوا أن المملكة العربية السعودية ممثلة بولي العهد وزير الداخلية محمد بن نايف يفعل ما يقول وأن أثر تعامله ورجاله في وزارة الداخلية مع كل دواعشهم ومواليهم ماعاد يقبل تعاملاً آخر غير الحزم الذي سنه خادم الحرمين الشريفين ومن ثم الضرب بيد من حديد ضد كل من تسول له نفسه أن يتلاعب بأمننا. وكلنا نذكر الأحداث الإرهابية الكثيرة التي مرت بها بلادنا ما بين حج ١٤٣٦ و ١٤٣٧ ونذكر أيضاً كيف تعاملت معها وزارة الداخلية معاملة حاسمة بالعقل وبالسيف وهذا ما جعل إيران لا تملك سوى إثارة الزوابع الكلامية وهذه حقيقتهم مهما تجبروا حفنة من الجبناء يتمترسون خلف من أذعنوا لهم، فهم يبحثون دائماً عن وسطاء يؤدون المهام عنهم ليكتفوا هم بالثرثرة، ونذكر أيضاً قول محمد بن نايف لأحد المواطنين بعد حادثة القديح في لحظة تشكيك بقدرات الدولة (إن الدولة قائمة بدورها ومن يحاول أن يقوم بدورها سيحاسب) فكيف بمن يحاول أن يفرض علينا أسلوبه ومنهجه العدائي الخاص في أداء المناسك، بل في استبدال الشعائر بالشعارات السياسية والحماقات الثأرية! وقد تبع ذلك القول كثير من الأفعال التي جعلت إيران تستمر في غيها من بعيد ولا تجرؤ على الاقتراب، نعم، إن سياسة التحريض والدسائس عمل جبان تقوم به إيران عن بعد وقد نجحت فيه في العراق وسوريا ولبنان واليمن لكنها لن ولم تنجح في غيرها. وفي هذه المرة أرادت أن تهيج مواليها بحكاية المنع فانقلب السحر على الساحر فراحت تسترضي أتباعها بالحج إلى كربلاء والنجف بطريقة عجيبة ومضحكة ومخزية، وخيراً فعلوا فقد كشفوا في غيابهم المزيد من عوراتهم السياسية والدينية والمزيد من النجاح والتميز لنا، فالحمدلله من قبل ومن بعد.