كلمة اليوم

قوات أمن الحج وصياغة «الأمن الروحي»

يُقسِّم المعنيون بالأمن أنواعه إلى عدة أنواع ابتداء من الأمن البدني والأمن النفسي والصحي والاجتماعي وصولا للأمن الغذائي والأمن الفكري والأمن الصناعي، إلى غير ذلك من التخصصات الأمنية التي يهتم كل واحد منها بجانب من جوانب الحياة العامة.الداخلية السعودية، ومن خلال تحمّلها مسؤولية أمن حجاج بيت الله الحرام، استطاعتْ أن تضيف مفهومًا جديدًا للأمن لم يسبقها إليه أحد، وبرع منسوبو القوات العاملة في الحج في ترجمته حسيًّا ليكون تحت سمع وبصر الجميع، وهو ما يُمكن أن نُسمّيه (الأمن الروحي)، حيث تمتد ثقافة العناصر الأمنية العاملين في الحج لتتجاوز مفهوم الأمن العام، ومنع أي أذى يُمكن أن يحدث لضيوف الرحمن، وتنظيم وتفويج وفودهم، إلى توفير الأمان الروحاني لكافة حجاج بيت الله، كإضافة نوعية تستجيب لطبيعة الموقف التعبدي في المشاعر المقدسة، حيث حمل الجنود السعوديون على عاتقهم مسؤولية مساعدة الحجاج بشتى الطرق وكأن كل حاج، إما أن يكون أبًا لهم أو أمًا أو أخًا أو أختًا أو ابنًا، وقد مارسوا هذا الدور بعاطفتهم الدينية قبل العقيدة العسكرية أو الواجب العسكري، ما جعل الحجاج ينظرون إليهم كامن روحاني في تجاوز للأمن العسكري المعروف والذي يمثل صلب عملهم الرئيس، حتى أن هذا الدور الفريد أصبح هو مادة جوالات الحجاج الذين يعلنون انبهارهم بهذه الخدمة الراقية في أسلوبها، والسامية في بحثها عن الأجر من الله، وذلك عبر تصويرها وتداولها وبثها على اليوتيوب، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وهي غالبا ذات مضامين إنسانية كأن يتطوّع أحد الجنود بتخفيف سطوة الحرّ عن حاج مسنّ، إما برش الماء على رأسه أو تحريك الهواء بقطعة كرتون، أو حمله فوق ظهره إن كان من العجزة أو ذوي الاحتياجات الخاصة، إلى غير ذلك من المشاهد التي تكتظ بها أدوات التواصل الاجتماعي، ويتنافس فيها جنودنا في المشاعر، بحيث تتعدّد أوصافها بتعدد المواقف، وهي ثقافة خاصة بالعسكريين السعوديين الذين لا يمارسون دورهم في أمن الحج بإظهار سمة الصرامة، أو العبوس لمحاولة بث الهيبة في نفوس الناس كوسيلة لضبط إيقاع حركتهم، ومنعهم من التجاوزات، وإنما بحكم أنهم تجاوزوا بقدراتهم ومهاراتهم وإمكانياتهم تلك السمة الكلاسيكية بإتقان أدوارهم الأمنية، فقد اضافوا إليها هذه الوظيفة من الأمن الروحي الذي يأخذ وقوده من العاطفة الدينية، والبحث عما عند الله؛ ليسهموا في تقديم خدمات نوعية لضيوف الرحمن غالبا تكون خدمات من وحي الموقف الإنساني، وتتم بطواعية وطيب خاطر بعيدًا عن الواجب العسكري، أي أنها تتم بالالتزام الأخلاقي والأدبي تجاه حجاج بيت الله الحرام، كما أنها تأتي اتساقًا مع خيار ملوك هذه البلاد الذين اختاروا لقب (خادم الحرمين الشريفين) كلقب رسمي. وقد وفّرتْ هذه الثقافة الأمنية الروحية لكل مَن يُشاهد أو يرصد تعامل الجنود مع ضيوف الله من الحجاج والمعتمرين، ووفّرتْ لهم شعورا بالأمن الروحي على اعتبار انهم بين أيدي أبنائهم وإخوانهم، وهذه أرقى درجات الأمن التي لا يُمكن أن تتوافر في أي مكان آخر؛ لأنها نبتة المكان، وخصوصية القداسة، ومنطق الرعاية التعبدية التي لا تتوافر إلا في الحج ومشاعره العظيمة.