خِفَّة الظلّ التي لا تحتمل!
بداية، أعتذر للروائي التشيكي ميلان كونديرا الذي حرَّفت عنوان روايته «خِفَّة الكائن التي لا تحتمل». كما أهدي أغنية «خِفَّة دمك مش على حد»! التي غناها عبداللطيف التلباني إلى بعض خفيفي الظل من نجوم البرامج المحسوبة على العروض الإخبارية الساخرة. فبعضهم قد فَقَد ظله بسبب تلك الخفة التي لا تحتمل. لا اعتراض على مضامين تلك البرامج. فمن المعتاد أن تأتي المضامين متناغمة مع خط الفضائية الراعية للبرنامج. تلك هي القاعدة التي يندر أن تجد لها استثناء. أما تقييم المشاهد لمضامين تلك البرامج فيعتمد على قراءته للأحداث، ولكل قراءته واستنتاجاته الخاصة. وليس بالضرورة أن تجد تلك المضامين قبولا لدى الجميع. غير أن مِن مقدمي تلك البرامج مَن تختلف معه في قراءة الأحداث وتعجب، في الوقت نفسه، بظرفه وذكائه وخفة ظله وأدائه المتميز. مثلما تتقبل بأريحيةٍ النقدَ الموجه إليك شخصيا إذا جاء من شخص ظريف استطاع أن يرسم الابتسامة على شفتيك. الاعتراض على طريقة التعبير عن تلك المضامين. أي على أداء مقدم البرنامج الذي يحاول أن يضفي على برنامجه نكهة كوميدية فيخفق. لأن بينه وبين الظرف وحس الدعابة مسافات شاسعة. يمكنني، شخصيا، تحمل حضور محاضرة مملة موضوعها يبعث على التثاؤب، لمحاضر يُفأفِئ ويُتأتِئ، في يوم قائظ، وفي قاعة سيئة التكييف. نعم أستطيع تحمّل ذلك، أما ما لا يمكن تحمّله فهو مشاهدة مقدم عرض سياسي ساخر يتظارف حتى يستجير منه الظرف. قبل أسبوع شاهدت أحد تلك البرامج، وحاولت أن أجرب قدرتي على التحمّل. كان مقدم البرنامج يحاول التعويض عن الأنيميا الكوميدية التي يعاني منها برنامجه بالصراخ حينا وبحركات الوجه التعبيرية حينا آخر. فزاد الطينَ بلَّة، كما يقولون. حالة يرثى لها، وقد ذكرَّتني تلك البهلوانيات بحكاية رواها ابن الجوزي في كتابه المعروف (أخبار الحمقى والمغفلين) قال: تكلم رجل في مجلس عبدالله بن عباس فأكثر الخطأ فالتفت ابن عباس إلى عبدٍ له فأعتقه. فقال له الرجل: «ما سبب هذا الشكر؟» قال ابن عباس: إذ لم يجعلني الله مثلك! يمكن للنكتة الجيدة أن تكون مدوية حتى لو قيلت بصوت هادئ. لذلك فإن أول شرط لنجاح برنامج إخباري ساخر هو تجاوز الركاكة الكوميدية. فلا يمكن أن تسخر من واقع ما بأدوات هي أولى بالسخرية من الواقع نفسه. عادة ما يشير من يتناول بالنقد تلك البرامج الإخبارية الساخرة إلى نجاح جون ستيوارت مقدم البرنامج الأمريكي الشهير (ذا ديلي شو) وهذه مقارنة عبثية مجحفة. يمتلك جون ستيوارت رؤية واضحة، ومعايير مهنية عالية لا يحيد عنها. ويصر على أن يكون مستوى أدائه متميزا: «أريد أن أكون فخورا بمشواري المهني». كما أنه يقف على مساحة واحدة من كافة القضايا التي يتناولها. فهو ليس مهرجا ولا موظفا ينفذ ما يملى عليه. لكنه بالتأكيد لا يقف على الحياد إذا ما تعلق الأمر بالسجال بين الحرية والاستبداد. فهذه مسألة لا معنى فيها للحياد. «أنا لست دمية ولي مشاعري وأحلامي كأي شخص آخر» يقول ستيوارت. وإذا ما تعلق الأمر بالمبادئ والقيم فرأيه واضح، وقد لخصه في هذه العبارة: «إذا لم تتمسك بقيمك حين تكون تلك القيم على المحك فهي ليست قِيَما بل نزوات». ومن المفارقات التي تستوجب التأمل أن من بين الذين طالبوا جون ستيوارت بالاستمرار، والرجوع عن قرار الاعتزال، ساسة كانوا عرضة لانتقاداته وتعليقاته اللاذعة.