السلطة والبحث عن الجذور
منذ العام 1969 وتحديدا في الأول من شهر سبتمبر عرفت البلاد الليبية تغيراً في ممارسة السلطة حيث الغي الحكم الملكي الذي استمر منذ العام 1951م وحل محله نظام حكم جديد سمي فيما بعد بثورة الفاتح، هذا التغير اختلف الليبيون في نظرتهم له فمنهم من اعتبره «انقلاباً» وهناك من نظر إلى الأمر على أنه ثورة، فريق ثالث نظر إلى الأمر من زاوية أخرى ترتبط بالفهم الاسلامي المتأتي من التراكم الفقهي في النظرة العامة لمن يمارس الوظيفة السياسة في الدولة واعتبروا ان ما حدث أي الثورة أو الانقلاب ليس إلا «حكم المتغلب» الذي يعني اختطاف السلطة بالقوة، واحتكار ممارستها. والحاكم المتغلب كما تقر التيارات الفقهية السياسية في عموم التراث الاسلامي لا يجوز الخروج عليه بحسب رأي عموم الفقهاء، بحجة أن ثمن الخروج قد يكون أكثر ضررا من الصبر والقبول بالأمر الواقع، ما لم يدع المتغلب إلى معصية. وإذا اضفنا نقطة مهمة تجسد عددا من الشروط والصفات في الحاكم المسلم او الذي يحكم بلدا مسلماً فهي كثيرة ومتعددة بحسب المدارس الفقهية السياسية الإسلامية ولكن الجميع يركز على كون الحاكم مسلماً كإحدى الضرورات التي لا يصلح أمر العباد ولا البلاد إلا بها. هذه المعاني المنغمسة في عمق التراث الفكري السياسي للمسلمين كانت علامات رصدها البعض في ليبيا منذ وقت مبكر من الثورة، وقيام سلطة جديدة على الأرض الليبية، وتبنيت بشكل واضح من معارضي نظام القذافي الذين حاولوا كل ما سنحت لهم الفرصة الولوج إلى التقليل من اهلية واحقية القذافي بالقيادة وتسنم حكم الليبيين لانه وإن قبل الليبيون به كمتغلب، فسيحاربونه من نقطة تفقده استمراره في قيادة البلاد الليبية بحجة أنه ينحدر من أصول غير مسلمة. هذه الجزئية فتحت مسارات للصراع بين النظام ومعارضيه بالدرجة الأولى من الليبيين الذين اصطف أغلبهم ضد النظام من خارج البلاد وخاصة من عمل وعاش في أوروبا، كما ان أنظمة عربية لعبت على هذا الوتر الذي كان يمثل احدى مفارز الصراع والطعن في الخصوم، ومن ناحية أخرى فان جهات دولية ومنظمات كنسية ويهودية شاركت في تأليب هذه الجزئية بطرق مباشرة، أو غير مباشرة ومن الغريب أن هذا الخط المتوتر حول نسب القائد، ومن تكون والدته ومن هم اخواله امتدت بصورة جلية من مطلع السبعينيات الميلادية إلى الأيام الاخيرة لنهاية حكم القذافي. وكانت مسألة انتماء الرجل إلى أصول يهودية مثل الدوامات البحرية تثور حينا وتختفي حينا، ولكنها كانت تجلب معها التوتر في العلاقات مع بعض الدول، وتفقد البعض حياتهم. وتعكر صفو النظام الذي غالبا ما يشن حملات تأديب أو يسعى إلى ترويج بعض القصص التي تبعد عنه مثل هذه الاسقاطات القاتلة. في ليبيا يحتفظ الناس بكثير من الروايات المدونة، بعضها في مصادر كتب، أو مقالات صحفية لليبيين في المنفى، وأكثر من ذلك يتداولون عددا مهولا من الروايات المختلفة والمتعددة التي تؤكد أو تجمع في نهاية المطاف أن معمر القذافي ليس ابناً شرعياً للمواطن الليبي محمد بومنيار قذاف الدم. وأن والدته الحقيقية ليست المواطنة الليبية عائشة بالنيران. والخطوط العامة لكل الحديث عن هذا الأمر يتركز في ان والدته الحقيقية فتاة ليبية من أصل يهودي من مدينة سرت حملت من علاقة غير شرعية عند أحد المعمرين الايطاليين الذي كانت تعمل لديه والذي اقترح على محمد بو منيار تربية ثمرة تلك العلاقة وتسميته معمر. ورواية تحظى بتداول لا بأس به بين الناس تشير ان محمد بومنيار لم يكن يعمل لدى مُعَمِر ايطالي بل كان حارساً لكنيسة في ترهونة وأن القسيس في تلك الكنيسة هو الذي اقترح عليه تربية الطفل مع اطفاله. ورواية اخرى تذهب إلى أن والدة القذافي فتاة ليبية يهودية اسمها حالو راشيل السرتاوية، او زعفرانة بنت رحمين اسلمت بعد ارتباطها بوالده محمد بومنيار، وغيرت اسمها إلى عائشة بالنيران.الاهتمام بهذا الامر المثير تزامن مع صدور كتاب «أوراق الموساد المفقودة» في مطلع السبعينيات، للمؤلف جاك تيلور. والذي حاول فيه عبر جمع عدة قرائن اثبات أن جذور القذافي من حيث الام يهودية. ومن اشهر القصص التي يدونها ويتناقلها الناس في ليبيا حول هذا الامر قصة حدثت لسفير ليبيا في ايطاليا عمار ضو التقازي الذي قتل في ظروف غامضة في روما 1984م بصحبة يهودي من اصل ليبي يدعى مردخاي فضلون وتحكي القصة ان سيدة اتصلت بالسفير وأبلغته انها تملك وثائق تثبت انها الاخت الصغرى لام القذافي، وانها هاجرت مع اسرتها من ليبيا في العام 1948م وتأمل ان تقدم المعلومات للسفير ليوصلها بدوره للقيادة الليبية لكي تمنحها مساعدة مادية. الذي حدث أن السفير فضل ان يطلع القذافي على الامر بشكل شخصي، والتقاه في طرابلس واخبره بالتفاصيل، وتنقل الروايات ان رد القذافي كان مقتضباً حيث افهمه أن يعود إلى مقر عمله في روما، وينتظر تعليماته مباشرة. ولم تأت للسفير أي تعليمات بل صفي بعد ايام من عودته إلى روما !! قصة أخرى دونها اكثر من باحث ومعارض ليبي تقول ان احد المقربين وظيفيا من القذافي وهو صالح ابو فروة أمين مكتب القذافي لشؤون التحقيقات تلقى طلبا من سيدة يهودية تدعي بأنها على صلة قرابة بالعقيد من جهة الام ويقال ان الرجل قتل ببندقية صيد فيما وصف بأنه حادث عرضي في احدى رحلات القنص للقذافي في بلد اوروبي. في ليبيا حتى بعد رحيل القذافي وزوال نظامه وانتهاء فترة تغلبه التي استمرت لاكثر من اربعة عقود لايزال هناك سؤال، أو اسئلة لدى الناس وخاصة خصوم القذافي وخصوم نظامه التقليديين تتمحور حول «أخوال القذافي» أين هم أين وجودهم على الأرض الليبية؟ وهناك من يذهب الى ابعد من ذلك ويسأل في شكل صدمة ومحاكمة للمرحلة السابقة منهم أخوال القذافي. وبعيدا عن الخصوصية الليبية ومعايير العلاقات بين الناس والجفوة العميقة التي استحكمت بين النظام وقطاع كبير من الليبيين معارضين في الخارج أو صامتين في الداخل، لا يوجد في المرجعيات الاساسية لتولي السلطة في النظرة الفقهية الاسلامية شرط يبحث في شأن نسب الحاكم سوى اشتراط القرشية، وهذا امر قل التعاطي معه والاخذ به. وتم نقده عقليا وشرعيا من كثير من مدارس الفكر السياسي الاسلامي. وفي الجهة المقابلة أي في نظام الدولة المعاصرة موضوع النسب حل محله معان اخرى تتعلق بالمواطنة في الدرجة الاولى، وتركز بشكل كبير على سلوك الحاكم ومدى تمثيله للناس وللدفع عن مصالحهم وتحقيق الكليات والضروريات لامنهم واستقرارهم ومستقبلهم. هذه الاضاءة السريعة توضح ان جدلا اخذ من وقت الناس في ليبيا وعلى مدى سنوات طويلة الكثير من الأخذ والرد، ولم يمكن القيادة التي بشرت بنظام جديد من خدمة الناس واشعارهم بانهم امنون على حياتهم وأرزاقهم ومستقبل أطفالهم، وفي الجانب الاخر لم تهتد المعارضة إلى مقارعة النظام ببيان عجزه عن تقديم ابسط المتطلبات للناس. وبقي الصراع بين الجانبين في مرحلة الوصول إلى السلطة وشرعية ذلك من عدمه، دون التقدم إلى الامام خطوة إلى ممارسة السلطة ذاتها، ما يترتب على الاستيلاء عليها من حقوق وواجبات. 