سالم اليامي

شيء من صناعة الغد

العلوم الاجتماعية تُقر بعدة صور أن السياسة «صَنْعة» وأن هذه الصنعة، أو الحرفة تَبْني الدول والمجتمعات، والتاريخ، والمستقبل. وفي التجارب العربية المعاصرة هناك أكثر من نموذج خرجت جميعها عن سياق المألوف تاريخياً، ومنطقيا وبدلا من استثمار الرفاه والاستقرار النسبي الأمني، والهيكلي، لبناء مستقبل، واستمرارية سياسية، حدث العكس تماماً. وانهارت الدولة أو النظام الذي كان يعتقد أنه دولة، و سُحِلت الرموز السياسية بصورة لا تخلو من العنف، وأشرعت أبواب المجتمع والأرض والمستقبل على المجهول. في تجربة الدولة المعاصرة في ليبيا 1969م-2011م، أو فيما يعرف بنظام القذافي الجماهيري سجل التاريخ درسا قاسيا ومؤلما تمازجت فيه دراما الموت والانتقام والتشفي مع ضعف البنية السياسية وهشاشة التركيبة الإدارية، وتواضع العمق الداخلي الذي كان يُتوقع أن يكون سنداً للنظام في مواجهته للصعاب، وبعد نحو ما يقرب من 37 عاما من عمر الثورة أصبح هناك فهم مضمونه أن الأمور تسير إلى الانسداد، حيث أصبحت شرعية النظام المستمدة من الثورة أداة قمع للناس، وتبدلت مراكز القوة والنفوذ من أيدي الحرس القديم المتمثل في ما يعرف بالضباط الأحرار إلى أيدي الأبناء المتوثبين لاستثمار خيرات البلاد بشكل يكاد يكون عبثياً. فبعد عام 2003م وحال التوصل لمصالحات بين النظام وبين القوى الدولية حول عدد من القضايا الشائكة والتي اخترعها النظام بجهل أحياناً، وصعدها الخصوم نكاية بالنظام في أحيان أخرى، بدت تطفو على سطح الأحداث داخليا واجهة جديدة، وكانت تجد في ذات الوقت صدى دوليا واهتماما خارجيا، هي ظاهرة «سيف الإسلام القذافي» والتي تعني في جوهرها عدة معان يدركها الليبيون أو الجزء الأكبر منهم حيث إنَّ هذه الظاهرة تناغمت مع مقولات التوريث التي سادت في المنطقة العربية في تلك المرحلة. ويقصد بها توريث الأبناء في أنظمة حكم جمهورية، ومختلطة. الشيء الآخر أنها كانت محاولة للتقدم للأمام بالمجتمع والدولة والناس في بلد استنفذ عمليا وماديا قوى الدفع الذاتية التي ترتكز بشكل أساس على وجود القائد، وشرعية الثورة وقيادة الجماهير، ومقولات لا تناسب العصر مثل سلطة الشعب، وثروة الشعب، والمجالس واللجان الشعبية. كانت مظاهر مسرحية في شكلها العام، وكان الكثيرون غير مقتنعين بجديتها وبقدرتها على إدارة الدولة وعلى توزيع القيم في المجتمع ولكن النظام وجد حلولا، ومقاربات مؤقتة لكل حالة عبر ما يصفه الليبيون أنفسهم بالمداواة للمشاكل بالمال، وبشكل صارخ، واعتبار كل حالة أو عقبة يتجاوزها النظام أو ينجو منها نجاحا وهميا يخدر الناس في الداخل ويوهم المراقبين في الخارج بقوة الدولة والنظام وقدرته على الاستمرارية. ظاهرة سيف الإسلام كانت تسير على مركبة براقة عرفت بمشروع «ليبيا الغد»، ومن استبشر بهذا الموضوع في بدايته كان يظن ضمنا أنه الحل والخلاص الوحيد للمجتمع والدولة في ليبيا من هذه الممارسات التي لم ترق إلى سلوك دولة وتجاوزت ببذخها وبكمية الفساد الداخلي والخارجي فيها أساليب التجمعات البشرية الأولية!! وذهب التفكير بالبعض ومنهم مراقبون إلى أن القادم سيكون مختلفا من حيث البنى الثقافية، والاقتصادية، والسياسية، ومشاركة الناس في صناعة مستقبلهم. وهذه العناصر العامة والطبيعية لتطور المجتمعات واستمراريتها. وانقسم الناس بآرائهم حول مشروع سيف أو حول ليبيا الغد التي كان يبشر بها إلى فئات فهناك من رأى أنها مسرحية جديدة لا هدف لها سوى إطالة عمر النظام الذي بدأ يلفظ أنفاسه، وأن من يروجون لهذه الرؤى والوعود ليسوا سوى قلة من المقربين والأتباع يحاولون ابتكار طُرق جديدة يستنزفون بها ثروة البلاد. وهذا الرأي يمثل موقف القطيعة واليأس من النظام الذي لا يستطيع أن يغير نفسه. وهناك من ذهب إلى حُسن الظن بأن النظام أو القائد هَرِم وتفرق عنه الرفاق، وأن تجربة اللجان الثورية الزائفة أصبحت غير ذات جدوى، ويجب التماهي مع روح العصر برمز جديد الذي هو سيف ليكون امتدادا للرمز القديم الذي يجب أن يحصل على الاحترام والتقدير كمؤسس، ولكن يجب أن تكون المرحلة الجديدة أكثر تلاؤما مع العصر ومعطيات الدول الحديثة بقدر الإمكان، هذه المزاوجة أقنعت البعض، خاصة وأن الأب كان لا يبدي انزعاجا كثيرا من تصرفات الابن سيف، رغم حنق الحرس القديم أو جماعات اللجان الثورية واللجان الشعبية الذين بدأوا يتوجسون من مستقبل مظلم. فريق آخر اعتقد أن الابن مقتنع بلعب دور المخلص لليبيين سياسيا، واجتماعيا، وثقافيا، وأنه يتحين الفرصة للانقضاض على إرث الجماهيرية الأولى لبناء ما وصِفَ في بعض التقارير الاستخبارية والصحفية بـ«الجماهيرية الثانية». ولكن لم يحدث شيء من كل تلك التوقعات وبقيت الأمور تراوح مكانها بين تقدم جزئي وبين ارتباك واضح وصراع خفي بين أكثر من جهة، وبين أكثر من سلطة في البلاد حتى حدث أمر الله ومحت الثورة أوهام التجريب بصناعة الغد غير المكتملة أو العرجاء، ولعل هذا التصور يقودنا لتفحص عناصر النقد التي وجهت لمشروع ليبيا الغد أو مشروع سيف الإسلام القذافي لتطوير وتحديث ليبيا أو قيادة مسيرة الإصلاح فيها، وأي نقد في رأينا أو تقييم لا يبنى على حقائق علمية سيكون مضيعة لوقت الناس، فلا يمكن أن يفْهم بدء مسيرة إصلاح مهما كانت ضئيلة في البلاد الليبية حينها دون أن يكون ابن القائد المفضل هو الرجل الذي يتصدر المشهد، خاصة أن ليبيا في تلك الفترة تمر بما سماه أكثر من مراقب حالة فراغ سياسي حقيقي، المهم أن الناس وبعد هذه المسيرة من الصبر والحصار وتحمل سقطات وشطحات النظام بات لديها ما يمكن تسميته حالة الشكوك القوية في تحقق المفاهيم التي بشرت بها الثورة كالعدالة والمساواة الثورية والرفاهية. شيء مهم ويجب التوقف عنده هو أن سيف القذافي استطاع أن يجمع حوله عددت من الوجوه الطامحة للإصلاح والتغيير بمفهوم حفظ الدولة واستمرارية نظامها. ليبيين، وغير ليبيين حيث استعان بأجانب خبراء دوليين وأساتذة جامعيين، إلا أن هذه لم تكن حقيقة المعضلة في هذا النموذج حيث إن الإصلاح لم يكن يُتَعَامل معه برؤية شاملة، أي ربما لم تكن هناك نية صادقة في تغيير بنية النظام السياسي الذي أوصل الأمور في البلاد إلى هذا المأزق. وكان هناك تركيز على تطوير البنى التنموية والاقتصادية فقط. بمعنى أن الآليات البالية للنظام القديم بقيت هي المرجعية الأساسية بما فيها من تأخر وعجز، يدلل على ذلك أن الرؤية قُسمت إلى مرحلتين الأولى وعرفت بـ«معا نحو الغد» وكان مداها الزمني 2019م وهذه مناسبة الاحتفال بما يعرف بثورة الفاتح في عيدها الخمسين أي اليوبيل الفضي! هنا يتأكد الفهم القاتل بأن العمل للمستقبل لا يزال ضمن بنية النظام القديم، وليس ضمن مسار مواز أو معاكس له.في إحدى الدراسات المعمقة لمشروع محاولة صناعة الغد في التجربة الليبية أكدت الدراسة وبأسلوب علمي أن المشروع كان قابلا للنجاح كغيره من المشاريع الأخرى لو توافرت له البيئة والمناخ المناسبين، مع الحزم في التنفيذ. سيف الإسلام صورته بعض الكتابات التي تناولت هذا الموضوع بأنه كان محاربا شرسا للفساد وللقوى التقليدية «الثورية» في المجتمع الليبي وفي ذات الوقت كان متمسكا بالولاء للنظام الجماهيري!! جزئية متناقضة تجاوز تأثيرها العائلة والمجتمع والنظام في ليبيا.