السيولة المبتذلة في أحداث المنطقة
أحداث المنطقة المتسارعة أكبر من أن تكون مشروعات سياسية أو ثقافية عابرة، وإنما هي حالة من مقتضيات تشكيل رأي أو موقف انتهاء بوعي ذاتي أو مجتمعي، ومع الحالة التفاعلية الإلكترونية والاتصالية الحديثة الواسعة فلا مفر أو مهرب من المعلومة والخبر وسيولة الرأي، لكن كيف يمكن تطوير موقف سياسي «تحديدا» بحيث يتوفر به الحد الأدنى من الوعي؟ أي أن يكون ناضجا ولا ينتقل بالذات إلى حالة سلبية متعارضة مع المصلحة الاجتماعية والوطنية.الإنسان كائن سياسي بدرجة متقدمة، ومن البدهي أن يكون له موقف أو أقله رأي فيما يقع في وعيه من خبر أو معلومة، ولكن تبقى المشكلة في القاعدة المعرفية التي تطور الموقف والرأي وتمضي به في سياق موضوعي بعيدا عن الابتذال والسلبية، التي تنعكس على كامل السلوك الذي يتفاعل مع الأحداث، فنحن نعايش حاليا سيولة فكرية تضع الكثيرين في حالة اصطفاف يمكن القطع بأنها غير متوازنة، بحيث لا يبقى الموقف أو الرأي في إطار القناعات الخاصة وإنما يمتد الى كامل السلوك الفكري والتفاعلي مع الآخرين.في المواقع الاجتماعية حيث يحدث التفاعل وإبداء الآراء والتعبير عن الأفكار، يحدث تضاد وتطرف وإفراط في التعبير بصورة تشي بهشاشة القاعدة المعرفية الواعية، إذ يمكن لأي رأي مخالف لقناعات الآخرين أن ينتقل بالشخص الذي يستتر خلف اسم مزيف، خاصة، إلى حالة عدائية كاملة تستميت في الابتذال وإقصاء آراء الآخرين، وحينها يبدو موقع تواصل مثل «تويتر» أشبه ببركة يقفز فيها الكثيرون دون استئذان ليصبوا كما هائلا من الصخب والتشويه والتشويش على الرأي المتعارض مع القناعات.من السهل أن تصل الخصومات في ظل هذه السيولة حد الفجور بما يتناقض مع أي نوع من أنواع الأدب والسلوك الحضاري بدعم من استعارات اسمية ونفسية لا تخدم التبادل الحر للفكر والرأي وإنما تسيء للآخرين وتنكر عليهم أبسط حقوقهم في التعبير عن قناعاتهم واتجاهاتهم، ولعل ذلك للأسف أحد أشكال التردّي والتواضع الشخصي الذي لا يليق بأي طروحات ينبغي أن تظل في مساحات مقدرة من النزاهة حتى لا يضيع الاحترام بين المتواصلين، لأن حصيلتنا بهذا الإيقاع ستكون كارثية في السياقات الإنسانية بظهور كثيرين يحملون ازدواجا مسيئا للمجتمع والوطن الذي ينتمون اليه، وما يحدث حولنا حراكات يجب ألا تتعدى الرأي والفكر الذي لا يلقي بظلال سالبة على العقول والنفوس، لأن ما يلي ذلك من تعديات يعني تأسيس تنازع وصراع ينتقل مما هو افتراض إلى الواقع بكل الشحن والغبن وعدم اللياقة المعرفية والفكرية والإنسانية.