مُسْلِمّة ومُسْلِم وكَلْبَان
تضم كفيها إلى بعضهما، تكورهما وتضعهما إناءً أسفلَ صنبور ليمتلىء إناء كفيها بالماء. تستدير إلى كلبٍ يرف الخوف في عينيه المفتوحتين على اتساعهما، وفي تراجعه قليلا إلى الوراء. تدنو منه، تدفع بإناء كفيها نحوه، يقترب وَجلاً متردداً ويروح يلعق الماء من كفيها. يفرغ إناء كفيها من الماء، تستدير إلى الماء، وتملأ كفيها بالماء ثانيةً، وتستدير إلى الكلب الذي لا يبدو أنه اطمأن إليها تماماً حتى الآن، يلعق الماء كله، فتعيد الكرة مرة ومرةـ إلى أن يبينَ الكلب ارتواءه برفع إحدى قدميه الأماميتين ليضعها في إناء كفيها. تمسك بقدمه تهزها مصافحة إياه، يقترب الكلب منها أكثر، فكأنما يريد أن يشمها أو يحتضنها أو تحتضنه.في مكان آخر بعيد، بعيييد في «ميلتون»، يتصل شاب ضرير وصديقته ضعيفة البصر بإحدى شركات سيارات الأجرة، يطلبان سيارة أجرة لتقلهما إلى مكان إقامتهما في «لاستر سيتي سنتر»،. تصل سيارة الأجرة، فيفاجئهما السائق ما إن يراهما بقوله إن دينه يمنعه من السماح لكلبٍ أن يركب في سيارته. تخفق محاولة الشاب ذي الواحدة والعشرين سنة وصديقته في ثني السائق المسلم عن عزمه على تركهما وحيدين عالقين على الرصيف، إلاّ من رفقة الكلب، دليل الشاب، الذي يعتمد عليه في غدوه ورواحه، ويستعين بعينيه على الاهتداء الى الأمكنة، وعلى تفادي الاصطدام بالناس والسيارات والأبنية.ويمضى السائق المسلم قاسم عبندي جمال بسيارته بسرعة لا يلوي على شيء، دون أن تأخذه رأفة وشفقة على الشاب الضرير تشارلز بلوتش طالب التسويق الرقمي في جامعة «دو مونتفورت»، ودون أن يدري أن صديقته جيسيكا غراهام ضعيفة البصر كانت توثق الحدث بهاتفها المحمول، لتنتشر القصة بعدئذ انتشار النار في الهشيم عبر وسائط التواصل الاجتماعي.كلبان في حادثتين مختلفتين أظهرا إسلامين مختلفين، أو موقفين متباينين تبايناً شديداً من النص أو المأثور الديني: موقف امرأة الفيديو غير المعروفة التي لم يمنعها من أن تصنع من كفيها إناء تسقي به الكلب الظامىء معرفتها بأنه يتعين غسل الإناء الذي يلغ به كلب سبع مرات بالماء وثامنة بالتراب، وموقف سائق سيارة الأجرة كمال عبندي جمال الذي منعه وعيه بأن الكلب نجس من أن يكون إنساناً، مسلماً حقيقيا. ينم تصرف امراة الفيديو عن فهمها أن «نجس» الكلب لا يعني عدم سقايته أو إطعامه، فغسل الإناء الذي يشرب أو يأكل منه مسبوق بالسماح له بفعل ذلك، ففي «كل كبد رطبة أجر». أتوقع أن كمال ع. جمال نام قرير العين منشرح الصدر لأنه ترك الضرير وصاحبته وكلبه اللبرادور النجس (كارلو) على الرصيف التزاماً بـ «تعاليم دينه»، ونامت امرأة الفيديو والكفين الإناء قريرة العين؛ لأنها أنقذت كلباً، كبداَ رطبةً، روحاً من الهلاك، مؤكدة إنسانيتها. أتوقع أنها لم تغسل إناء كفيها سبع مرات بالماء وثامنة بالتراب.لم يكن فيما فعله السائق المسلم كمال عبندي جمال لمسة من جمال على الإطلاق حتى بلجوئه إلى المأثور الديني لتسويغه وتبريره. ولا يوجد ذرة من نجس فيما فعلته امرأة الفيديو، إنما الجمال والإنسانية وجهة نظر تنحاز إلى «الإنسانية»، ولو في أبسط تجلياتها.