عيد مخضب بالدماء
كانت سلسلة التفجيرات الانتحارية التي طالت المملكة العربية السعودية يوم الاثنين الماضي 4 يوليو 2016، والتي كان أبرزها التفجير الارهابي بجوار المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، وتفجيران آخران في مدينة جدة بالقرب من مقر القنصلية الأمريكية ومسجد في القطيف (شرق السعودية)، جريمة إرهابية بكل معنى الكلمة، واستفزازا لمشاعر المسلمين في العالم أجمع لما تمثله هذه البقعة الطاهرة من رمزية دينية كبيرة لكل المسلمين. فهذه الجريمة الارهابية لم تراع فضل المكان الذي قال عنه النبي صلى عليه وسلم «المدِينةُ حرم ما بين عيرٍ إِلى ثورٍ، فمن أحدث فِيها حدثا، أو آوى مُحدِثا، فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائِكةِ والناسِ أجمعِين، لا يقبلُ اللهُ مِنهُ يوم القِيامةِ صرفا، ولا عدلا»، وكذلك لم تراع فيه شرف الزمان في العشر الأواخر من الشهر الفضيل، والناس صائمون قائمون يتهجدون ويبكون، ولم تراع حرمة الانفس الزكية المعصومة التي تحرس الحرم الشريف. استهداف هذا التنظيم الارهابي المدينة المنورة وترويع الآمنين وزرع الخوف وقتل المصلين فى المساجد، نسف كل حججهم الدينية وتآكلت شرعيتهم واستوجب مزيدا من التنسيق الإقليمي والدولي للقضاء عليهم. برأيي هناك ثلاثة مستويات أساسية للقضاء على قوى الشر والإرهاب التي تستهدف نشر الدمار وبث الفوضى وزعزعة الأمن والاستقرار في العالم: المستوى الأول يتمثل في تحصين الجبهة الداخلية من التشدد الديني. فكريا من خلال عمل مراجعة فقهية وفكرية حقيقية وعميقة للتصدي لفتاوى القتل باسم الدين ودعاوى الجهاد دفاعا عن الشرعية كما ذكرت في مقالي السابق. فالحاضنة الفكرية تلعب دورا كبيرا إما في تغذية الارهاب أو في دحره. وفي مجتمعنا للاسف حالة الغلو والتشدد موجودة بشكل كبير بيننا حتى وصلت الى بيوتنا وغرف نوم ابنائنا. فلا بد من ابراز جوانب الاعتدال والوسطية في ديننا، فديننا يتسع لكل الاختلافات وكل الآراء والافكار من كل الاطياف وما وجود المذاهب الاربعة والاختلافات بينها الا دليل على شمولية ديننا وسماحته. الامر الاخر تنظيمي من خلال سن قوانين تضع عقوبات رادعة لأي خطاب من شأنه شق الوحدة الوطنية، أو الاسهام في نشر التطرف والتعصب والتشدد. فالسلوك السلبي لم يعد ممكنا ضبطه بالنصح والمراهنة على الضمير الانساني، لا بد من نظام وتشريع صارم يسري على الجميع وبعد فترة سوف يتحول هذا التشريع الى سلوك منضبط. المستوى الثاني يتمثل في استقرار المنطقة سياسيا. وهذا برأيي ذو شقين الشق الاول يتعلق باستقرار الدول التي قامت بها الثورات. فهذه الثورات التي جاءت محملة بشعارات الديمقراطية والحرية وكثير من الشعارات البراقة قادت الى هدم واسقاط النظام القديم وتفكيك بناه السياسية والاجتماعية، وفي ظل غياب البديل الجاهز لقيادة المجتمع، اتجهت الامور الى حالة من الفوضى العارمة والاضطراب مما أدى الى فقدان الاستقرار السياسي. ففي دراسة حول الربيع العربي ومستقبل الارهاب والعمليات المسلحة الصادر عن معهد جين المتخصص بقضايا الارهاب إنه «في العام 2009، تم تسجيل ما مجموعه 7.217 من الهجمات في جميع أنحاء العالم. وفي عام 2013، ارتفع هذا العدد بنسبة أكثر من 150 في المائة ليصل الى 18.524 هجمة». وبالتالي فهذه الدول اصبحت للأسف تربة خصبة لجذب آلاف الارهابيين من الداخل ومن الخارج، الذين استفادوا من الفوضى السائدة ونقص الحوكمة وتدفق الاموال الآتية من دول اقليمية للمجموعات المتطرفة. وفي كتابه المعنون بـ «النظام العالمي.. تأملات في شخصية الأمم ومسار التاريخ» يقول هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ومستشار الأمن القومي إن «الشرق الأوسط يعيش نزاعا يشبه النزاعات التي واجهتها أوروبا في القرن التاسع عشر من حروب دينية، نتيجة انهيار الدولة وتحويل أراضيها لقاعدة للإرهاب، وتهريب السلاح نتيجة تفكك الدولة الذي سيؤدي إلى تفكك النظام الإقليمي والدولي». اما الشق الثاني فهو متعلق بعربدة ايران في المنطقة وتدخلها في شؤون الدول الداخلية من خلال دعم كثير من الميليشيات أو إثارة النعرات الطائفية. فقد صنف التقرير السنوي لوزارة الخارجية الامريكية عن أوضاع الإرهاب والجماعات المسلحة في مختلف أنحاء العالم في عام 2015، إيران بأنها «أكبر راع للإرهاب في العالم»، وذلك وفقا للتقرير لـ «تدخلات طهران ودعمها للعنف والإرهاب في سوريا والعراق، وزعزعة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط»، و«ضلوعها في أعمال العنف التي تقوم بها المعارضة في البحرين، وكذلك دعمها للجماعات المتطرفة كحزب الله اللبناني او زعزعة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط من خلال فيلق القدس التابع للحرس الثوري». كما نشرت وزارة الخارجية السعودية بيانا مفصلا يوثق بعشرات الأدلة دعم إيران للإرهاب في المنطقة والعالم، منذ قيام الثورة في 1979 والتي اعتمدت مبدأ تصدير الثورة ونشر الفتن والقلاقل والاضطرابات في دول المنطقة، بهدف زعزعة أمنها واستقرارها، والضرب بعرض الحائط بكافة القوانين والاتفاقات والمعاهدات الدولية، والمبادئ الأخلاقية. وذكر البيان أن «النظام الإيراني يعتبر الدولة الأولى الراعية والداعمة للإرهاب في العالم، حيث أسست العديد من المنظمات الإرهابية في الداخل والخارج وذكر منها حزب الله في لبنان، وحزب الله الحجاز، وعصائب أهل الحق في العراق، وغيرهم الكثير، والعديد من الميليشيات الطائفية في عدد من الدول، بما فيها الحوثيون في اليمن، بالإضافة إلى دعم وتواطؤ طهران مع منظمات إرهابية أخرى مثل القاعدة والتي آوت عددا من قياداتها ولا يزال عدد منها في إيران»، حسب بيان الخارجية السعودية.اما المستوى الاخير فيتمثل في ضرورة العمل دوليا للقضاء على الارهاب. فسلسلة الهجمات التي استهدفت باريس، بروكسل واورلاندو واسطنبول وغيرها من الدول في الفترة الماضية اظهرت ان الارهاب مشكلة عالمية خطيرة تتجاوز حدود الدول وتستوجب تنسيق الجهود والتصدي لها بشكل جماعي ودولي وبشكل فوري وفعال لتحقيق الاستقرار والسلم العالمى.