هل أنت ممن فقدوا الإيمان؟
من يقد مؤسسة أو إدارة يتوقع منه قيادة ملهمة تدفع بكل من يعمل معهم للانجاز مستلهما نفسه القيادي من شغف أو قضية يؤمن بها أو حتى رؤية ورسالة وقيم مؤسسته ويعلم أن عمله جزء من صورة تنموية أكبر. عبر السنوات تعاملت مع أناس كثر من مختلف الطبقات الوظيفية. منهم الطلاب والمتدربون الذين يعوضون ما يفتقدونه من خبرة وعلم بشغف وإرادة. ومنهم قياديون ومدراء مؤسسات يتميزون بخبرة عملية وحياتية عميقة ولكن في بعض الأحيان يفتقدون الحماس. وبين هذين الفئتين مجال واسع من الانغماس في العمل وتغيير المسار المهني وبناء المهارات والسمعة. من خلال تعاملي مع الناس وجدت نفسي مرارا أمام مسؤول رفيع لا أجد وصفا أصح إلا أن أقول انه فقد إيمانه بما تستطيع مؤسسته أن تقدمه أو بالقيم التي تتبناها المؤسسة في ظاهرها. هؤلاء اصطدموا بالواقع مرارا وصقلتهم الخيبات وأصبحوا يعرفون أن دورهم صوري. حجم خيبة الأمل لديهم كبير ويختلف عن تلك الخيبة التي يتعافى منها المرء بعد فترة قصيرة أو مع مشروع جديد فهذه الخيبة مزمنة ويطلق عليها كلمة (disillusionment) وهي التحرر من الوهم. أسباب الوصول لتلك الحالة كثيرة وليست المساحة هنا كافية للخوض فيها بالتفصيل ولكن سأتناول أحد الأسباب هنا فقط. لغالب المؤسسات رؤية ورسالة وقيم وهذا بمثابة حجر الأساس في التخطيط الاستراتيجي ويتعدى ذلك ليكون ميثاقا ووعدا يربط جميع الموظفين. الرؤية تمثل ما تود المؤسسة الوصول إليه والرسالة هي التي تحدد كيفية الوصول من خلال العمل وبالتركيز على ما نريد أن نكون في المستقبل يكون هدفنا واحدا ومعلنا ومتفقا عليه مهما تغيرت الظروف. أما القيم فهي بمثابة البوصلة الأخلاقية التي تحدد نوع العلاقة بين جميع العاملين في الداخل من إدارات وموظفين وكذلك مع علاقتهم بالخارج مع الزبائن والعملاء. ولكن هذه القيم في كثير من الأحيان تكون حبرا على ورق أو تتفاوت في التبني. إن ناقشت المسؤول بها ابتسم مثل ما يبتسم جد محب لحفيده وكأنه يقول «اصبر فأنت لم تفهم الدنيا بعد». لم تصادفني حتى الآن قيم لمؤسسات لم تعجبني فهي تدعو لارتقاء الأخلاق وتحدد ما تظنه مهما في التعامل اليومي إلا أنني أرى قصورا كبيرا في التطبيق الفعلي والمؤسسة الشجاعة هي التي تسأل موظفيها إن كانوا يظنون أن هذه القيم هي بالفعل مطبقة في التعامل معهم. شركة قوقل على سبيل المثال كان شعارها الأول «لا تكن شريرا» واستمر فترة طويلة على هذا النحو إلى أن تزايدت عليهم انتقادات انتهاك خصوصيات عملائهم حتى استبدلوه في شركة ألفابيت بعبارة «افعل الصواب» كلاهما محدد للتوجه الأخلاقي وإن اختلف التعبير ولكن انتبه للاختلاف الطفيف لأن تأثير كل جملة مختلف. ما عاد العمل اليوم فقط من أجل الكسب المادي وإن كان أساسيا ولكن تعدى ذلك في التوجه الدولي - و إن كان فيه بعض البذخ - وهو أن يتجه المرء لعمل ذي قيمة يجد نفسه فيه ويقدم شيئا ذا معنى للمجتمع. نود أن نخلد ذكرانا بأعمال نفتخر بها وليس بروتين مميت في مؤسسات فقدت روحها ومغزاها. عندما تتوجه كفاءاتنا الشابة لمثل هذا العمل الذي يتوافق مع قيمهم ويعطيهم معنى للعطاء، هل نترك قيادة هؤلاء لقادة فقدوا إيمانهم؟