د. إحسان بوحليقة

أبقوا دردشات العيد خفيفة

غدت أحاديثنا في العيد رتيبة، ولعل رتابتها مستمدة ليس من نقص مما يدور حولنا من تطورات مثيرة، بل من أننا نتفادى التقاطع مع مناطق التماس وتخطي الخطوط الحمراء في مناسبات طابعها بث الأمل والإيجابية وتبادل التهاني والمجاملات. تصور أن تزور أحدا في العيد لينتهي بتجاذب حول القضايا الحية على «أجندة» الأمم المتحدة؛ فقد تكون أنت مع سياسة تركيا في حين أن من قَطَعت المسافات لزيارته والتواصل معه في العيد ضدها وبشدة، فما أن تفتح الموضوع حتى يبدأ نقاش ثم جدال، ويتضح التباين وتنقلب زيارة العيد الخفيفة إلى «هوشة» ثقيلة! أو تخيل أنك قررت أن تتحدث عن سوريا؛ ففيما عدا العبارات العامة قد تجد نفسك وجهاً لوجه ضد مضيفك، إذ لن يكفي ان تكون مع المعارضة بل مع أي معارضة أنت؟ أو خذ موضوع العراق، فأي النقاش قد يفضي إلى «وقفات نفس»، وهو ما يتعارض مع التحاب والتآلف في زيارات العيد. ونظراً لتشددنا لمواقفنا، ورغبتنا الجارفة أن يوافقنا الآخرون في ارائنا، فسريعاً ما نصنف من يخالفنا النظرة والرأي والتوجه بتصانيف مرتكزها «لم يعجبني لأنه لم يوافقني الرأي»! فالحذر واجب حتى عندما يخطر ببالك أن تخفف الوقع بالحديث عن مسلسلات رمضان، فإن ذكرت «سيلفي» لناصر القصبي، فسيحقق معك أحدهم حول الحلقات حلقة حلقة، ليستشف موقفك الفكري مما تناولته تلك الحلقات، ثم يُصنفك، فإن كنت متفقاً معه فقد ترتفع مكانتك عنده ليدعوك للغداء ظهر اليوم التالي، أما إن كنت مع الفكر المعارض فأنت تخاطر بأن يضعك على قائمة المقاطعة، وممن لا يحبذ الاحتكاك بهم! ولن يكون الوقع أخف إن تناولت أحد مشاهد أو أحداث «ساق البامبو» فأنت تخاطر بفتح ملف قضية التجاوزات على «العمالة» على مصارعه وسط رشفات القهوة وأصناف الحلويات وأحاديث تتطلب طبيعة المناسبة (مناسبة العيد) ان تكون ودية. وحتى إن هجرت الجد والهزل السياسي ورغبت الانتقال للحديث عن رؤية الهلال فإنك ستدخل مجالاً قد تكتشف معه أن نصف المجتمع متبحر في الفلك ومنازل الأهلة، وستتوالى الأسئلة والاستدلالات والردود والردود المضادة مصحوبة بحماسة وكأنك في ضيافة برنامج «الاتجاه المعاكس» وليس في زيارة تهنئة ومباركة بالعيد السعيد! ولن ينفعك كثيراً إن تحدثت عن السفر في العيد، فقد تسمع ما لا يسرك عن مزايا قضاء العيد مع الأهل أو أن يحشرك أحدهم في خصوصيات وضعه المالي وأنه كان بوده أن يسافر لكن ما باليد حيلة! بالنسبة لي، وليس بالضرورة أن في تصرفي أي حذق، فقد قررت التشبث بنشرة الأرصاد، فحديثي المفضل خلال العيد سيكون -بإذن الله- عن نسبة الرطوبة ودرجة الحرارة، وفارق الدرجات بين المدن المختلفة، وأن استنفدنا الحديث عن الطقس سأنتقل سريعاً للحديث عن الرطب. وزيارات العيد هي عادة زيارة قصيرة وخفيفة؛ فنجان قهوة وقطعة حلوى وختامها «أشرف الأعياد» وامسك الباب، أما أن تغوص في قضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع فذلك مما لا تتحمله المناسبة ولا يتسع له الوقت، وقد لا يكون محل اهتمام الحضور في المَجلَس، ثم أنها مناسبة جميلة نريد فيها للبهجة والود أن يسودا. ثم علينا تذكرّ أننا نعيش مع مناوشاتنا الفكرية والاقتصادية ليل نهار وفي كل الأيام، ولعل العيد فرصة لأخذ استراحة محارب، وإلا فإن ديدننا ما ان ننفك عن مجادلاتنا عن أوضاعنا العربية المؤلمة حتى نتابع -عندما ننفرد بأنفسنا- عبر شاشة الجوال «غزوات» تويتر ووسومه. ولعل من أوقع ما وصلني في عيد سابق من تغريدات حول هذا الأمر، هو تعليق لإحداهن تشتكي بأنها زارت أهلها لتعايد بهم فكان الحديث على مائدة العيد ما تُتهم به الأثيوبيات من ذبح للأطفال! وبالقطع ليس مطلوباً أن يتنازل أحد عن قناعاته، أما في العيد فعلينا تذكر «لكل مقام مقال»، ومقال الزيارات الودية لا يتسع لنقاشات عميقة وجدلية. وبالتأكيد، فإن هذه «الهدنة» لن تطول حتى نعاود بعدها جدالاتنا التي لم ولن تنتهي، ويبقى العيد عنوانا للبهجة وللفرحة وللقاء الأهل والأحبة، وتبقى القضايا المزمنة تستنفد أعياداً ولا تنتهي، لكنك في العيد تتلمس السعادة والبِشر في أوجه وأنفس ألفتَها وألفتك، تودها وتودك، وتحبها وتحبك. ولذا فأنت تحرص أن تراها مبتسمةً لعلك تحظى بجرعة أمل وسعادة، فتلك السحنات للأهل والأصدقاء والمعارف هي مرتكزك ومربط اطمئنانك بعد الله سبحانه، فإما أن تقتبس منها الأمل أو هي تزرعه فيك.