د. إحسان بوحليقة

ريثما تصل «سكس فلاجز»

ماذا ستفعل هذا العيد؟ سؤال يتواتر طرحه في كل بيوتنا وفي استراحاتنا، هناك من سيبقى في بيته، ليحتفل بالعيد احتفالا تقليديا صِرفا، بين استقبال وتوديع وزيارات وولائم، وهناك من سيسافر لدول مجاورة أو بعيدة، بل منا من قد حزم حقائبه ليقضي الصيف بعيدا ليعود مع عودة المدارس! وهناك من سيقضي العيد في بلدان شقيقة مجاورة، كدبي مثلا، ليس لتفاوت في الجو، فالحرّ حالة تجمع بيننا، بل لتفاوت المعروض من الخدمات الترفيهية. عندما أعلن عن تشكيل هيئة الترفيه، هناك من تساءل لماذا؟ والاجابة لأن لدينا نقصا فادحا في الترفيه. نعم، انظر إلى حاضرتنا الكبيرة، مدينة الرياض بملايينها ما الخدمات الترويحية والترفيهية المتاحة؟ القليل مقارنة بالطلب. ولذا، يضطر الناس للرحيل إلى أماكن قريبة أو بعيدة طلبا للترويح والترفيه، بسبب النقص الفادح في خدماتهما محليا. ولا تختص الرياض فقط بهذا النقص، أو بتجاوز الطلب للعرض، أو بوجود طلب «مكبوت» على خدمات الترويح والترفيه، بل هي عامة تشمل بلادنا من أقصاها إلى أقصاها. واقتصاديا، الطلب المكبوت هو غير المُلبى أو المُشبع، وهذا يعني فرصا مهدرة، باعتبار أنه لدينا مشتر وليس لدينا بائع! ولذا يذهب «المشتري» مع اسرته إلى دبي أو البحرين أو الأردن أو تركيا أو فرنسا أو بريطانيا أو ماليزيا أو أمريكا أو سواها بحثا عما يشبع حاجته وحاجة أسرته للترفيه، ويأخذ معه -كما ندرك جميعا- أمواله والكاميرا، لينفق هناك المال ويلتقط أجمل اللحظات، فيعود بعد الاجازة ليسترجع الأيام الحلوة واللحظات الجميلة «هناك»، فيشقى في جمع المال «هنا»، ويسعد بإنفاقه «هناك»!لماذا يريد أي أحد أن يرتحل لكي يُعَيّد، رغم الكلفة المادية والجسدية؟ لعل السبب أن من يسافر ليعيّد خارج البلاد يبحث عن شيء ما. هل هو السينما؟! أما ماذا؟ ولن أعيد عليكم اليوم الحديث المكرور عن السينما، لكني سأقول إن أهم ميزة للعيد في دبي أنهم هناك يعدون برنامج العيد كما يحلو لمرتادي دبي؛ ومبادراتهم المتجددة تكاد لا تنتهي، فمثلا بدأوا -منذ سنوات- إبقاء المجمعات التجارية مفتوحة طيلة الأربع والعشرين ساعة في المواسم والأعياد! وطبعا أن تبقى المجمعات التجارية مفتوحة يعني أن الأجواء الاحتفالية طيّعة للمرتادين وليس العكس، فإن كنت ممن يتأخر في النوم وقررت أن تستيقظ ظهرا فبوسعك ان تتناول وجبة الافطار في تلك الساعة أو تبقى في صحبة «الربع» تتسامرون في المقهى أو تتناولون طعامكم أو تشاهدون فيلما سينمائيا في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل، أنت الذي يقرر. منتهى المرونة هذه تعني الكثير خاصة لمن ينفق مالا من أجل ان يحظى بوقت ممتع بهيج. بعض أصحاب المقاهي «هناك» ابتدعوا أن يقدموا المشروبات والمأكولات بالبيجاما للمرتادين في ساعات متأخرة. قد يقول قائل: ما العبقرية في أن تستقبل المحلات الزبائن على مدار الساعة أيام العيد؟ أكثر الأفكار عبقرية أكثرها بساطة. العيد فرصة للترويح عن النفس والاجتماع مع الأسرة في أجواء إيجابية يسودها الفرح وتلفها الابتسامة، هذا قد يتيسر ليلا أو نهارا من يدري، فاللحظات منوطة بجدول الأسرة وليس بأي أمرّ آخر. والقضية لا تبدأ ولا تنتهي في أن تبقى المحلات من مقاه ومطاعم وسينمات مفتوحة بل في تقديم الخدمة في السياق الذي يرغبه الزبون (في هذه الحالة السائح) ليشتري وينفق دون ان تفارقه الابتسامة. عندنا، هذه خدمات مازلنا نرتحل لكي نحصل عليها، أي أننا نُصدرها لدبي ولغير دبي عن سبق إصرار وترصد. وريثما تأتي «سكس فلاجز» إلى هنا، فلعلنا -من خلال هيئة الترفيه المنشأة حديثا- نرى تغييرات على الأرض قريبا، فقد طال الانتظار اجتماعيا وعَظُمت الخسائر اقتصاديا، فبوسعنا أن نجعل مجمعات التسوق مجالا رحبا لعروض العيد، بما يسلي الصغار ويسعد الكبار. لا أظنه مطلبا صعبا، وهو ما تفعله جُلّ الأسر السعودية عند ذهابها للسياحة، أنشطة بسيطة لا تعقيد فيها، بل شيء من المتعة والجدة.إذا، التركيز ينبغي أن يكون على المرونة بحيث يحصل المرتاد على ما يريد بأريحية حفاظا على رضاه، ثم أن تجربته الايجابية ستبقيه «أسيرا» وسيأتي مرارا في المستقبل بحثا عن لحظات ممتعة لا تُنسى ولاستعادة ذكرياته القيّمة ليس لأنه كان يقوم بأعمال خارقة بل ليستجلب الابتسامة والفرحة. وبالقطع فالفرح ليس حكرا على دبي أو سواها من البلدان، وليس حكرا على زمن بعينه، لكن الحديث هنا عن توفير خدمات الترفيه محليا في مواسم الأعياد لاستقطاب المزيد والمزيد من السياح باكتساب رضاهم ليمكثوا طويلا وليعودوا مرارا. هذا يتطلب فهم «سرّ الصنعة»، الذي لا علاقة له بارتفاع المباني أو ضخامة المجمعات ولا حتى بالسينما التي حدثتكم عنها مرارا، بل لها كل العلاقة بالحرص على أن يقضي الفرد وأسرته أوقاتا ممتعة لا يكدر صفوها سوء الخدمة ولا جداول صارمة أو نمطية مملة.