الهياط.. جهل وتخلف
تبرز في حياتنا بعض الكلمات الخاصة بتصرفات أفراد المجتمع، لتجسد معاني تلك التصرفات، وتضفي عليها سمة ثابتة ترسخ في الأذهان لكثرة ترديدها في أحاديث الناس، وقد تتحول إلى مصطلح يشيع استعماله، ويكتسب معنى جديدا يبعده عن معناه الأصلي، أو يدور في فلكه في أحسن الأحوال، ومن هذه الكلمات كلمة (الهياط)، وتكاد معاجم اللغة العربية تجمع على أن الهياط من المهايطة وهي إثارة الضجيج والجلبة ويقال هايطه أي استضعفه، ويؤكد هذاالمعنى قول الشعر: يتهايطون من الجهالة ليتهم ساروا على درب الوفاق طويلا فهي إذن كلمة لها جذرها في فصيح اللغة، وليست مجرد مصطلح شعبي أفرزه واقع تعدت فيه بعض الممارسات ما هو مألوف بين الناس، وخاصة في المبالغة بالفعل أو القول، وكل ذلك للتباهي و(النفخة الكذابة)، وكأن من يرتكب هذا الفعل أو القول يستصغر الآخرين ويستهين بوعيهم، ويضحك على ذقونهم، وقد سمعنا ورأينا من صور المهايطة ما يستنكره كل أريب، ويستهجنه كل لبيب، ويرفضه العاقل، وإذا كانت كلمة الهياط قليلة الاستعمال فيما مضى، فإنها أصبحت مصطلحا تعدى معناه، وخرج من جعبة المعقول، ليحلق في فلك غير المعقول، مخلفا علامات الاستفهام الكبيرة التي يستعصي حلها على وعي الإنسان وفهمه، لفداحة ما تعنيه من استهتار بنعم أفاء الله بها على خلقه، ليسيئ بعضهم استعمالها متحديا الأعراف أو التقاليد، وحالات الهياط التي تطل بوجهها السيئ على المجتمع بين فترة وأخرى، هي حالات بحاجة إلى دراسات اجتماعية ونفسية لتحدد دوافعها وتقدم وسائل تجاوزها وفق الواقع المعاش، فقد تمتد آثارها السلبية على من حول مرتكبيها، وفي المقام الأول هي نوع من التكبر أو الإسراف أو التعالي على الغير، وهذه السلوكيات جميعها نهى عنها الدين الحنيف، كما أن الهياط بشقيه (الفعل - القول) غالبا ما يفقد صاحبه احترام الآخرين، كما قد يترك حالة من الحسد والغيرة، لدى بعض الناس. أو الإحباط وعدم الارتياح عند آخرين، والمهايط أساسا شخص غير واثق من نفسه، وشعوره بالنقص يدفعه إلى التعويض بالظهور في حجم أكبر مما هو عليه في الحقيقة، ظنا منه أن ذلك قد يخفي نقصه، بينما هو في الحقيقة يؤكد هذا النقص بهذا السلوك غير السوي، والدال على الجهل والتخلف. ولسنا بحاجة إلى ضرب الأمثلة على هذا الهياط، فالأحداث تقدم لنا بين فترة وأخرى مثل هذه الأمثلة، التي نتذكر معها قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا) ومن السفه الهياط بمعناه السائد، كادعاء الكرم، بحجة أن الكرم من صفات العرب، وهي حجة واهية لأن بعد الهياط عن الكرم مثل بعد الثرى عن الثريا، ولا مجال للمقارنة بينهما، ويتساوى مع ذلك هياط الكلام، بما يحمله من ادعاءات وهمية، وربما يرى بعض القراء أن هذا الموضوع لا يستحق الكتابة، وفي رأي ومن باب الوقاية خير من العلاج، لا بد من الكتابة عن كل الظواهر السلبية في المجتمع ومنها الهياط، الذي يعتبر تجاهله نوعا من دس الرؤوس في الرمال، خاصة وأن بعض محدثي النعمة، لا يدركون قيمتها، فيبالغون في عدم الاهتمام بها لدرجة التبذير الذي وصف الله تعالى مرتكبيه بأنهم اخوان للشياطين، (إن المبذرين كانوا إِخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا). ومن يضع نفسه أخا للشيطان.. هو إنسان مشكوك في صحة قواه العقلية. ومع أن الهياط مرفوض جملة وتفصيلا، فإنه مرفوض أكثر إذا جلب الضرر للآخرين، وتسبب لهم في الأذى، وطالهم بسوء، فالمهايط لا يهتم بأثر فعله على الآخرين، والمسألة لديه هي مجرد الخروج من حالة نفسية متأزمة، حتى وإن تسبب هذا الخروج في اكتساح بعض القيم والمكاسب الاجتماعية لدى الآخرين، فالغاية هنا تبرر الوسيلة، ويا لها من غاية سيئة، ووسيلة أسوأ، فمن يلعب بالنار، لا يؤتمن لا على سلامة نفسه ولا على سلامة القريبين منه.