كان آخر أصدقائي الفُضَلاء!
«كان آخر أصدقائي الفُضَلاء» هذا ما يقوله الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر عن خصمه الجميل الأديب الفرنسي البير كامو. هذه العبارة التي تَشِي بالاتزان والاعتزاز بالآصرة الأدبية والفكرية بين هذين المفكرين تدعو إلى عقد مقارنة بين التفاعل في الساحة الثقافية العربية، وما يحدث من تفاعل في البيئات الثقافية الأخرى. اختلف البير كامو وسارتر إلى حد القطيعة. اختلفا فكريا، لكن لم يلغِ أحدهما الآخر. واختلفا ولم يهمل أحدهما قراءة إنجاز الآخر الأدبي أو الفكري. وحسب رونالد أرونسون فقد كان الاثنان صوتين معبِّرين عن الحياة الفكرية الفرنسية في ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكنهما اتخذا موقفين متضادين، فأصبح كل منهما الرائد الأخلاقي والفكري للموقف الذي التزم به. وهذا اختلاف فكري وأخلاقي قَلّ أن تجد من لا يحوّله إلى قضية شخصية. فالاختلاف في بعض الأوساط الثقافية يتخذ مسارا آخر، وغالبا ما يأتي التعبير عنه على شكل تعليقات مستفِزّة، أو فرقعات لا علاقة لها بالثقافة ولا بالفكر. ولا ينتج عنها تفاعل مؤثر ومنتج، لكنها مسلية لمن يهوى «الفرجة» على الخناقات، وتلبي حاجة من يهوى الاستعراض وإطلاق المفرقعات. إن التفاعل المنتج يعني رصد ومتابعة الإبداع، سواء من قبل الفرد أو المؤسسة الثقافية. أما المؤسسات الثقافية العربية فدورها محدود، وتواصلها مع المثقف يكاد يكون في أدنى مستوياته. وما تحتاجه الساحة الثقافية في الوقت الراهن، إلى جانب الجهد الفردي، جهد مؤسسي يدعم الأعمال الإبداعية في مختلف المجالات، كما يرصد ويقيم ويتفاعل مع ما تطرحه الساحة الثقافية من نتاج ثقافي. وأما التفاعل الثقافي المنتج على المستوى الفردي فيتعذر تحقيقه ما لم تكن العلاقة بين شركاء الساحة الثقافية علاقة «تكامل» لا علاقة «تفاضل». أي علاقة يحركها الشعور بأن الساحة تتسع للجميع، بحيث لا يكون من شروط التألق واعتلاء القمة إزاحة الآخر، وأن لا يعتبر نجاح هذا فشلا لذاك. وباختصار فإن التفاعل الثقافي الإيجابي المنتج يناقش الأفكار ولا يتكلم على الأشخاص. إن المثال الذي سقته عن سارتر «وآخر أصدقائه الفُضَلاء» لا يعني أن الساحة الثقافية هناك مثالية ومنزهة من العيوب. أو أن صورة المشهد الثقافي، هنا، قاتمة إلى ذلك الحد الذي توحي به بعض المقاربات، فإلى جانب الغث يوجد السمين، وإلى جانب الأصيل يوجد الهجين. وسوف يمكث في الذاكرة الأدبية ما يستحق البقاء. ومن الإجحاف، كذلك، وضع المثقفين، والمبدعون منهم بصفة خاصة، في خانة واحدة وكأنهم فرقة إنشاد أو جوقة. ذلك أنه بعد انحسار المشاريع الثقافية الجمعية التي كانت ذات يوم تحت مظلة الأيديولوجيا، صار لكل مبدع صوته الخاص، ولكل صوت مقارباته واجتهاداته الخاصة، لكنها جميعا روافد تصب في مشروع عام هو التنوير. وبعد: أعود إلى عبارة جان بول سارتر «كان آخر أصدقائي الفُضَلاء» ومع أنه قالها، كما يبدو، في تأبين البير كامو، إلا أن ذلك لا يعني أن سارتر لا يمدح إلا الأموات، على اعتبار أن المثقف الطيب هو المثقف الميت! فقد تواصل مع نتاج كثير من الأسماء الثقافية اللامعة ومن بينها جان جينيه أغرب صعاليك القرن العشرين، وأضفى عليه صفة النبوغ والعبقرية. وهذا مثال بسيط، وغيض من فيض ذلك التفاعل الإيجابي بين رفاق الكلمة. قد تختلف المقاربات وتتباين الأفكار، لكن ما يوحد تلك الأصوات هو الالتزام بقضايا التنوير، وهو التزام مدعوم برباط فكري وأخلاقي غير معلن.