مايسترو السائد والمألوف
هل يدرك من يجزم بصواب أو خطأ قيمة ثقافية ما أن قناعات الناس متباينة؟ وهل يفقه من يدافع بحماسة عن السائد والمألوف والمتعارف عليه في مجتمع ما أن ما هو مألوف عند فلان قد يكون غريبا وشاذا عند غيره، وأن المعايير التي تقاس بها الأمور، والزوايا التي تُرى من خلالها الأشياء مختلفة، أحيانا، إلى درجة التضاد؟. قد لا يستطيع المصاب بعمى الألوان رؤية ألوان الوجود المتعددة الزاهية، أو رؤية الثراء الثقافي الناجم عن ذلك التنوع الخلاّق. ولذلك يحلم في أن يكون الناس متناغمين في النظر للأمور. ربما غاب عن ذهنه أن الناس مختلفون لأنهم من بيئات ثقافية واجتماعية مختلفة، أو لأن التربية مختلفة، أو لأن المستويات الثقافية ليست واحدة. ومن المتعذر، والحال هذه، تجاهل كل تلك العوامل المؤثرة التي تساهم في تشكيل الرؤى والقناعات المختلفة حتى ضمن الحيز الجغرافي الواحد، بل ضمن نطاق الأسرة الواحدة أحيانا. يظن المايسترو الساعي إلى ضبط الإيقاع القِيَمي وفقاً لألحانه وقوافيه وأوزانه أن الناس مجرد فرقة إنشاد أو «جوقة» لا يسمح فيها لأي صوت نشاز. وقد يُزعج هذا (المايسترو) أن تذكره بنسبية النظر إلى الأشياء في قول الشاعر أبي ماضي «رُبَّ قُبْحٍ عند زيدٍ هو حُسْنٌ عند بَكْرِ/ فهما ضدَّان فيه، وهوَ وهْمٌ عند عَمْرِو»! أما النشاز عند صاحب هذا التوجه فهو الخروج على السائد والمألوف. وكأن المألوف حقيقة مطلقة لا يرقى إليها الشك. كما أن النشاز، وفقا لتلك القناعة، هو أن يعلو صوت خارج اللازمة الموسيقية القائلة: «ليس في الإمكان أفضل مما كان». أي ليس في الإمكان أفضل من ذلك السائد والمألوف. لقد علَّمَنا التاريخ، يا صاحبي، أن الذين أحدثوا التغيير الاجتماعي والثقافي هم أولئك المغردون خارج السرب، وخارج تيار الثقافة السائدة، أي أولئك الذين سبقوا عصرهم، ولذلك تعرضوا للإقصاء والتهميش، فكان أن تبنَّت أفكارَهم عصورٌ أخرى. الحياة حركة لا تهدأ، ودوام الحال من المحال. لذلك يتطلع العالم إلى الأمام، ويجرب آفاقا جديدة، وأساليبَ حياة مختلفة، مدفوعا بفضول معرفي؛ فضول يقوده إلى المستقبل، أما ضابط الإيقاع القِيَمي فيعمل جاهدا كي يعيد عقارب الساعة إلى الوراء لحماية ذلك السائد والمألوف من الاندثار، وذلك تجديف عكس التيار، وتفكير ينافي طبيعة الحياة. ألا يحق لنا أن نقول لأولئك المتشبثين بأذيال الوراء ما قاله أحد الشعراء: «لا تعد إلى الوراء حتى مع الشمس»! نعم.. «حتى مع الشمس» رغم الدلالة الإيجابية التي توحي بها الشمس، باعتبارها طاقة إشعاع تقاوم العتمة، وتساهم في نمو الحياة. قد يسأل أحدهم عن اسم قائل تلك العبارة، غير أني لا أجد ذلك نافعا، فمن يتكلم عن الأشخاص، ولا يناقش الأفكار قد يقبل أو لا يقبل بالفكرة قبل أن يعرف مصدرها، فإذا عرف المصدر ردد قول ابن الأعرابي «خرّق.. خرّق..» حين عرف أن الأرجوزة التي أعجبته، وطلب تدوينها كانت لأبي تمام. وبعد: لقد علمنا التاريخ، كذلك، أن بعض التقاليد والعادات والقيم الاجتماعية السائدة والمتعارف عليها في عصر ما قد تكون غفلةً أو سباتا وسوءَ تدبيرٍ في عصر آخر. وعلمنا، كذلك، أن ما اعتبر «هرطقة» وخروجا على المألوف في زمان ما، أصبح إبداعا أو حقيقة مؤكدة في زمان آخر. إن الحياة، يا صاحبي، نهر دافق لا يتوقف عن الجريان.