الأحلام والسبل المشروعة..
لا تسجن طموحك داخل حلم واحد.. بعض الأحلام تقتل أصحابها. طبق مع خططك وأهدافك الحياتية النصيحة التجارية التي تقول «نوع مصدر استثماراتك ولا تضع كل تجارتك في سلة واحدة». لا تكن أسير حلم ترهن حياتك لتحقيقه؛ خاصة عندما يكون بلوغه صعبا وأنت لا تملك اللياقة النفسية الكافية لتحمل صدمة عدم الظفر به. يحدث أن يظلم المجتمع أفراده أحيانا بطريقة غير مقصودة، وذلك عندما يضع قيما وأهدافا عامة يشجع عليها ولكنه لا يكفل السبل والوسائل الممكنة لتحقيقها.. فمثلا يشجع أفراده على قيمة التعليم وأهميته ودوره في بناء العقول والقيم والتنمية الوطنية لكنه في شكل آخر لا يكفل سبلا جيدة له، كما أن معظم جامعاته غير قادرة على احتواء اعداد الطلبة المتقدمين لها خاصة في التخصصات المرغوبة. وهذا ينطبق أيضا على قيمة عمل المرأة وكيف أن المجتمع أصبح يشجع عليها لكن في ظروف عدم توفر فرص عمل مناسبة لها.. وليست المشكلة فعليا في عدم حصول جميع المتخرجين من طلبة التعليم العام على مقاعد في الجامعات، فهناك مجموعة من المعاهد ومراكز التدريب تستقبل الطلبة وتهيئهم لمهن مهمة يحتاجها سوق العمل، ولكن المشكلة تبرز في تعميق النظرة السلبية لكل من لا يحقق نمطا تعليميا ووظيفيا معينا في النظرة العامة.. هذا الأمر ينطبق أيضا على قضية عمل المرأة فلا يجب أن نعلي من قيمة المرأة العاملة بطريقة نقلل معها قيمة المرأة التي تؤدي أدوارا أخرى في حياة الأسرة.. إن هذا النمط من التفكير العام والذي يغالي في تقدير قيمة بعض الأحوال الاجتماعية أو المهنية أو التعليمية بطريقة تضعف من قيمة ما عداها سيخلق في بعض الأحوال أفرادا يعانون انهزاما نفسيا ويشعرون بنوع من النقص أمام الكمال المصطنع الذي تضعه أهداف المجتمع البراقة.. في أحد المجتمعات المتقدمة والتي تتمتع بأحوال اقتصادية عالية ظهرت مجموعة من الجرائم من ذلك النوع المرتبط بالسرقات وسطو البنوك، والغريب أن هذه الجريمة تحدث في ظل ظروف معيشية جيدة يعيشها أفرادها، وقد فسر أحد العلماء ظاهرة هذا الانحراف السلوكي بأنه ناجم عن طغيان نزعة الأحلام المادية التي كرستها الثقافة العامة.. فالمجتمع آنذاك كان يعلي كثيرا من قيمة الأحلام المتعلقة بالاستثمارات وتحقيق الثروات - بدون أن تكون بالتأكيد متاحة للجميع - لذلك لم يجد بعض الأفراد فرصة ممكنة لتحقيق أحلام الثراء والاستثمارات إلا برؤوس الأموال التي يمكن سلبها من البنوك والمحلات التجارية.. وهذا أحد الأمثلة التي تظهر لنا كيف يناقض المجتمع أفراده بقيم مثالية عالية لا يمكن إلا لفئة قليلة منهم تحقيقها بينما فئات أخرى تنهزم على أعتابها. يجب أن تكون الأهداف العامة والكبيرة التي ترسمها المجتمعات متلائمة من الإمكانيات والسبل التي تتيحها لأفرادها.