ما الذي سكن عبدالرحمن الوابلي؟
يذكر المفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي في شهادته عن عصره مقولتين، المقولة الأولى "أدركت أن التاريخ يصنع الإنسان أكثر مما يصنع الإنسان التاريخ"، في ظني أن هذه المقولة يشترك بها الدكتور عبدالرحمن الوابلي رحمه الله مع المفكر الرفاعي وإن لم يقلها، خصوصا إن عرفنا أن الدكتور الوابلي متخصص في علم التاريخ (دكتوراة من جامعة تكساس الأمريكية)، وليس في حدث التاريخ، لأن الكثيرين يدرسون التاريخ ولا يعون ما هي فلسفته، الوابلي من القلة كما أعلم كان يعي ذلك، لهذا حينما كان يكتب، يضعك أمام رؤية ناظرة للمستقبل، ومحفزة للقراءة المتجردة من الأحكام المسبقة، ليخرجك من محيطك الضيق المنطوي على الأنا، الذي يشغله الحدث التاريخي الأيدلوجي، أكثر مما يشغله لماذا حدث هذا؟.الوابلي رحمه الله كان من القلة الذين تسكنهم فلسفة التاريخ، لعلمه أن التاريخ ليس مجرد أحداث يجيرها فريق ضد آخر، أو يمكن أن يحتكر لجماعة أو لأمة، بل يتجاوز كل هذا إلى قراءة ممنهجة. إن التاريخ لا يتصالح إن جاز التعبير إلا مع من يبحث في ثناياه عن الحقيقة وهنا في ما أظن كان يقف الوابلي، أي الحكمة التي هي ضالة كل مؤمن أيا كان صاحبها، أي بمعنى آخر من هو في سباق مع التاريخ، ومن هنا في ظني نبعت مصداقية الوابلي في غالبية ما كتب، ونعني بالمصداقية هنا حجة المنطق كدارس لتاريخ. ولهذا نجده يقدم في مقالاته ذات البعد التاريخي قراءة إستراتيجية، كقارئ استراتيجي بامتياز، دون أن يجامل في سبيل بحثه عن الحقيقة ومقاربتها، لأنه لا يريد أن يكون قابعا في تفسير ضيق لتاريخ، وبالتالي لا يمكن أن يقدم لقارئه إلا صورة مجترة، من مقولات تجاوزها التاريخ بسنوات ضوئية، فهو يرفض أن يحبس نفسه وقارئه في مقولة ليس لها معنى في التاريخ الذي لا يجامل أحدا، حتى وان وضعته هذه القراءة في صدام دائم مع أصحاب القراءات المعلبة و الضمنية لتاريخ، فهو يراهم يعيشون خارجه، ولا يرون بالتاريخ إلا أنفسهم ومن يدور في فلكهم.أما مقولة المفكر عبدالجبار الرفاعي الثانية التي أزعم بأنها تحاكي فلسفة الدكتور الوابلي في غالبية ما كتب فتقول "أدركت أنه لا يلذ العيش إلا بالخلاص من الفهم التبسيطي للواقع، وأن رؤية الوجود بعين واحدة تحجب جماليات الوجود".الحقيقة التي كان يقاربها الدكتور الوابلي في غالبية كتاباته، سواء كانت مقالا أو عملا دراميا هي القراءة الإستراتيجية العميقة للقضايا التي يناقشها، بتجرد من الأحكام الإسقاطية التي تعودنا عليها من الكثيرين ممن يكتبون في الشأن العام، لهذا نستطيع القول إن الوابلي كان يعي الأرضية التي يسير عليها كقارئ واع لحركة التاريخ، خلافا للكثيرين من الكتاب الذين يتبدلون حسب المناخ الاجتماعي لحركة المجتمع دون أن يقدموا ما يشخص الحالة بعيدا عن القراءة المعلبة التي تؤزم المجتمع أكثر مما تخرجه من حالته المأزومة، فهم يقرأون الحدث بعين وحدة. بخلاف الوابلي الذي نجده يتعامل مع المعطى الاجتماعي كدارس له بتجرد باحثا فيه عن جماليات الإنسان أولا ومقدما رؤيته الناقدة له ثانيا. بقي أن نقول إن من حمل هذه الرؤية في غالبية ما طرح، أي الدكتور الوابلي رحمه الله كان مقروءا من قاعدة جماهيرية كبيرة، وهي من كانت أكبر من يحفزه على الاستمرار في التأكيد على رؤيته، والسلوى الحقيقية له لكل من كان يعارضه، أو يقف على الضد من رؤيته، مع علمنا أنه لم يكن ضد أحد بقدر ما هو يجتهد في تصويب الفكرة لتقارب الحقيقة، التي هي ضالته أولا و أخيرا. رحم الله عبدالرحمن الوابلي.