اعتراض أم «فشَّة خُلْق» واستعراض؟
كتب أحد الأصدقاء على صفحته في فيس بوك يقول: "اشتغلتُ 40 سنة مدرسا. لم أكن موظفا مثاليا. كنت مبتكرا ومشاغبا وساخرا، وأبحث دائما عن دهشةٍ ما تحت سطح الأشياء". عبارة أغرتني بالعودة إلى الحديث عن فقه المشاغبة مرة أخرى، وأغراني أكثر صدق القائل.قد تكون المشاغبة أحيانا مجرد "فشَّة خُلْق"، كما يقال بالعامية الشامية. لكنها في عبارة صاحبنا مقترنة بالبحث عن "دهشة ما"، وذلك ما يميزها عن شكل آخر من المشاغبة، يراد به الاستعراض. وفي أي وسط اجتماعي أو ثقافي ستجد نمطين من المشاغبة، يمثّل النمط الأول صاحب المزاج العيَّاب الذي يعترض على كل شيء، وستبدو كمن يضرب في حديد بارد إذا بحثت عن معنى لتلك المشاغبة غير المثمرة. والواقع أنه لا يوجد ما هو أكثر مدعاة للضحك من مشاغب يثير الضوضاء ولا يدري ماذا يريد! أما النمط الثاني من المشاغبة فيمثّله من يشاغب بلسان غيره، فهو، كالعادة، صدى لصوت آخر. يحاول النموذج الأول أن يؤكد فطنته بتهميش كل شيء، حتى ليتعذر أن تمر على سمعه فكرة أو حكاية وتواصل الطريق إلى هدفها بسلام!. تلك فطنة فائضة عن الحاجة، أو "فطنة سكَّر زيادة". وفي حمَّى تلك المماحكة يمكن للعنز، أيضا، أن تطير، كما في المثل الشعبي المعروف. لا علاقة لتلك المشاغبة بأي توجه عقلاني، أو قدرة على التحليل والاستنباط، وإنما هي تجسيد لحالة مَرَضيَّة عصية على العلاج. يمكنك أن تطلق على صاحب تلك الحالة صفة "الجملة الاعتراضية"، لكن الفرق بينه وبينها هو أن الجملة الاعتراضية لها وظيفة إيضاحية، وتستخدم "تأكيداً وتسديداً للكلام الذي اعترضت بين أجزائه" أما هو فيَمْتهِن الاعتراض لوجه الاعتراض وحده، وقد يعبّر عن تململه واحتجاجه على ما حوله ومن حوله دون أن يقدم تصورا لما ينبغي أن تكون عليه الحال، ودون أن يجد بديلا عن الواقع الذي يشاغبه. وإذا كانت الكَلْبيَّة القديمة تنظر باستهجان إلى كل الرغبات المألوفة لدى الناس، فالكَلْبيَّة الجديدة تلغي قيمة كل فكرة أو عمل دون أسباب مقنعة. وإذا كان الشك الفلسفي وسيلة لبلوغ المعرفة، فإن هذا الشك المشاغب إبحار دون بوصلة نحو المجهول. وإذا كان الاعتراض وسيلة إلى غاية، فإن الاعتراض على هذه الشاكلة هو الوسيلة والغاية معا. أما النموذج الذي يشاغب بلسان غيره، فهو صدى لصوت آخر، أو زمان سابق لزمانه. وفي هذه الحالة المرَضيَّة الثانية لا مجال لأي شكل من أشكال الإبداع والابتكار. واعتراضا على تلك الحالة من التبعية الببغائية تكتب غادة السمان نصا يجمع بين البساطة والجمال فتقول: "حينما أكتبُ عنك، أتحوَّل من بومةٍ إلى هَزَار. وحين تُطْرِيني، أتأمَّل نفسي في المرآةِ فأتحوَّل إلى طاووس. وحين يهبُّ ربيعُ أنفاسك عبْرَ الهاتف، أحلّق صوبك سنونوة مشتاقة، وحين تخونني أصيرُ نعامةً تدفن رأسَها في الرمال. وحين نتشاجر أصير خفَّاشاً يرى الدنيا رأساً على عقب.. تستطيع يا سيدي أن تصنعَ مني ما تشاء باستثناء ببغاء"! نعم.. باستثناء ببغاء!.وبخلاف ذلك الثنائي المتذمر الذي يكتفي بهجاء ما يظنه ظلاماً، يرعى المشاغبُ المنتج، وبكل تواضع، شجرةَ الإبداع دون صخب أو ضجيج. وإذا كان لا بد من المشاغبة فإن أجمل المشاغبين ذاك الذي يفتح النوافذ المغلقة ليدخل منها النورُ والهواء، وعندما يقوّض ذلك المشاغب المبدع بناءً ما، فإنه لا يترك المستقبلَ للعراء.