منشآتنا الصغيرة.. تتقاسم كل اثنتين سعودياً!
عدد المنشآت الصغيرة (خمسة عمال فأقل) نحو 800 ألف، مما مجموعه قرابة مليون منشأة اقتصادية مقيدة في المملكة. يعمل في المنشآت الصغيرة نحو 1.7مليون عامل، يحصلون على رواتب ومزايا قيمتها نحو 35 مليار ريال، أي أقل من 15 بالمائة من إجمالي ما يُدفع للمشتغلين في المليون منشأة، ومتوسط تعويضات العامل في المنشأة الصغيرة أقل من الفي ريال شهرياً، أي نحو ثُلث ما يدفع لنظيره في المنشآت الكبيرة! بعد هذا لا يستطيع أحد أن يطلب من الباحثين عن العمل الالتحاق بالمنشآت الصغيرة، التي تقدم مزايا ضئيلة مقارنة بما تقدمه المنشآت الكبيرة. الصورة واضحة لمن يريد أن يرى، بأن سوق العمل السعودي يعايش تشوهات، طال الحديث عنها. ومع ذلك، فقد جَلَبَ تأسيس الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة أملاً جديداً بأن تقوم تلك الهيئة، بالإضافة لطباعة المنشورات الأنيقة والبرامج التثقيفية والتوعوية إلى إطلاق برامج لردم الهوة الكبيرة التي تَفصل هذه المنشآت (وتحديداً الصغيرة والمتناهية الصغر) عن أولويات اقتصادنا السعودي؛ من حيث قلة قدرتها لاستقطاب السعوديين من جهة، وتدني مساهمتها في القيمة المضافة، وبالتالي ضعف مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.عدد المنشآت الصغيرة قرابة 800 ألف، يعمل فيها نحو 1.3 مليون غير سعوديين، وأقل من 400 ألف سعودي! أي ان حصة كل منشأة من المنشآت الصغيرة "نصف" سعودي!لست متأكداً إن كانت هذه الظاهرة (ضعف مساهمة العمالة المواطنة في المنشآت الصغيرة) قد مَرّت على أيٍ من بلدان مجموعة العشرين من قبل، أو على بيوت الخبرة الاستشارية العالمية ولاسيما الأربعة الكبيرة ومن لفَ لفهم، لنستجلب منهم حلاً. لكن يبدو، أنها ظاهرة تستحق دراستنا وتمعننا، ليس فقط بهدف إثراء البحوث النظرية حول اقتصادنا وبيئة الأعمال لدينا، بل لتحقق أمرين –طال الحديث عنهما: زيادة السعودة في المنشآت الصغيرة، وزيادة قدرة تلك المنشآت على توليد قيمة مضافة؛ في حين أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تولد 45 بالمائة من الوظائف و33 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للاقتصادات الناشئة، وفقاً لدراسة حديثة للبنك الدولي.فيما يعاني سوق العمل لدينا من بطالة تقدر بـ 11.5 بالمائة، يتسم اقتصادنا ككل بتدني إنتاجية العامل، وبضعف مساهمة القطاعات غير النفطية، وانقيادها لسلوك قطاع النفط اتساعاً وانكماشاً. ما تسعى السياسة الاقتصادية إلى عمله منذ السبعينيات هو زحزحة هذه المعادلة، وما زلنا نحاول. لكن كيف نحقق نتائج ودون إضاعة مزيد وقت؟ المفتاح هو المنشآت الصغيرة.الكثير قيل ويقال، وهو مهم وعلى صلة بما يحدث في السوق، ومع ذلك فأوضاع المنشآت الصغيرة تستوجب معالجة تنطلق من حقائق وليس انطباعات عن الوضع الراهن، وذلك في مسعى لربط هذه المنشآت بالاقتصاد الوطني، والربط المقصود هنا زيادة المحتوى الوطني لتلك المنشآت، وتحديداً زيادة مساهمة العمالة المحلية ومستلزمات الانتاج المحلية الأخرى، لتحصل المنشأة على مزايا وتستوفي شروطاً تفضيلية، أي إن أرادت المنشأة الصغيرة الحصول على مزايا والشروط التفضيلية فعليها أن ترتقي إلى حد أدنى لا يقل عن 50 بالمائة –مثلاً- من الاعتماد على مستلزماتِ انتاجٍ محليةٍ، وتشمل تلك المزايا حزمة تمويلية وتسويقية واجتماعية والتأهل للمنافسة في تعاقدات حكومية وأهلية.يمكن الزعم أن إطلاق برنامج وطني "رفع المحتوى المحلي في المنشآت الصغيرة"، سيكون الأكثر تأثيراً في خلخلة ما تعايشه هذه المنشآت حالياً، من استخدام بعضها كدروع للتستر ولممارسة المنافسة القشرية وللطفيلية الاقتصادية التي تمتص رحيقاً خالصاً وتلفظ هدراً ونهباً، فتأخذ من الاقتصاد الوطني ولا تعطيه، ولكثرتها تخلف أضراراً شنيعة: باقتصادنا الوطني، وبسوق العمل، وبسلوكيات العمالة المواطنة والوافدة على حدٍ سواء. و"قطعة الجبنة" –إن جاز التعبير- التي ستستخدم للمكافأة والتحفيز، ليست تأشيرات "نطاقات" بل قدرة المنشأة الصغيرة على الإنتاج، وهنا نتحدث عن نموذج إدخال-إخراج (input-output model) بسيط وشفاف يخضع للحساب وليس للتخمين، يشترط تحقيق محتوى محلي عال نسبياً، لا يقل عن 50 بالمائة قيمة مضافة كحد أدنى لتتأهل المنشأة للاستفادة من مزايا البرنامج، أما إن كان المحتوى المحلي في المنشأة أقل من ذلك فيساعدها البرنامج ويرشدها لتحسين أوضاعها لتحظى بالتأهل مع مرور الوقت. إذاً، المقترح أن تتكاتف الجهود لإطلاق جهد لتصبح المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر سعودية بأن يعمل سعوديون بها، وليس لمجرد أن رأس مالها سعودي! وأن الدعم لها يطرد مع تجاوزها حداً أدنى للمحتوى المحلي، فـ"المحتوى المحلي" لا يُكتسب فقط بملكية رأس المال، بل بمساهمة مدخلات الإنتاج المحلية في صناعة السلعة وتقديم الخدمة، وأحد تلك المدخلات رأس المال، لكنه ليس أهمها ولا أكثرها ندرة. ولذا، لا يستقيم أن يعامل باعتباره أهمها لسبب بديهي هو أن المكانة الأهم هي للعنصر البشري وما يتفتق عنه جهداً وإبداعاً.