د. إحسان بوحليقة

وصية رئيس جامعة «عَقل ويَد» للسعوديين

كانت أمسية ممتعة مع محاضرة رئيس جامعة «إم أي تي» الأمريكية المرموقة. البروفسور لويس رفائيل ريف أمريكي بالتجنس، فنزويلي الأصل، حديثه سلس متدفق لا يستعصي على الفهم. أي واضح، ليس عليك أن تبذل أي جهد استثنائي لمتابعة ما يقول. جامعته لا يشق لها غبار، ليس اليوم فقط، بل لعقود متتابعة تتالت وجامعة «إم أي تي» (أو معهد ماسيتيوسس للتقنية)- دون كلل- تحتل المقدمة!كان البروفسور ريف ضيف الشرف للعشاء السنوي 17 لنادي خريجي «إم أي تي» في المملكة. خريجو الجامعة الذين يقطنون في المملكة يقدرون بنحو المائة. كان البروفسور ريف فخورا بهم، وسعيدا بزيارته للمملكة، بدعوة من أحد خريجي الجامعة السعوديين، محمد عبداللطيف جميل. وعادة ما تعقد اللقاءات السنوية للنادي في قاعات ليس فيها ما يميزها عدا أنها مكان للقاء، إلا أن هذه المرة، وهو اللقاء السنوي السابع عشر، وضيف شرفه الرئيس السابع عشر لجامعة «إم أي تي»، فقد اختار القائمون على النادي مكاناً له مكانة للاسم الذي يحمل، ونتمنى أن يكتسب لنفسه مكانة بما نتطلع أن ينتجه من أبحاث في مجال الطاقة والمجالات ذات الصلة. كانت هذه هي المرة الأولى التي أزور مركز الملك عبدالله للدراسات البترولية، وقد سمعت عنه بالتأكيد وزرت موقعه على الانترنت كذلك، وقابلت بعض من يعمل هناك ممن أشرفوا على بنائه وتأسيسه، كما أني –كالكثيرين- كنت أتابع أعمال بنائه لسنوات ذهاباً وإياباً من وإلى المطار، وأتابع ولادة الأشكال الهندسية غير المنتظمة التي تميز تصاميم المعمارية زُها حديد المكلفة وقتاً وجهداً ومالاً.لم يُضيع البروفسور ريف أي وقت ليقول للحضور إن دأب جامعته المستقبل؛ أين احتمالات اتجاهه، وكيف سيكون، وكيف يمكن لجامعته أن تساهم في تشكيل أدواته ونجاحاته. لعل ذلك لخص الكثير وكشف –دون كثير شرح وتعليل وتبرير- سر احتلال تلك الجامعة للمقدمة، فهم حريصون أن يستشرفوا ما هو قادم. وبالقطع، كلنا يدرك أن علم الغيب عند الله سبحانه تعالى شأنه، لكننا هنا نتحدث عن الاستعداد لما هو قادم بحذق ومهارة بما يساعد على توفير أسباب النجاح، ويحقق للجامعة ريادة تبز بها منافساتها.تحدث البروفسور ريف بفخر عن خريجي جامعته، عن أنهم أسسوا شركات تبلغ اجمالي قيمتها 2 تريليون دولار، أي أنها –حسب قوله- توازي اقتصاداً حجمه من حيث الناتج المحلي الإجمالي بين الهند وروسيا! وقال: نحن أمام تحد حقيقي دائم، كيف نعد خريجينا؟ وأردف: نحن لا نعلمهم، نحن نوفر لهم فرص ومناخ التعلم. وراق لي قوله إن إعداد الخريجين إعداداً ملائماً للمستقبل بما يحمله من تغييرات هائلة ولاسيما بعد انطلاق الثورة الصناعية «الرابعة»، لن يكفيه تعديل وتبديل المناهج الدراسية، بل لابد من التركيز على التعليم من خلال حَلّ المشاكل، فهذا يُعَلّم الطالب اليافع الكثير، بما في ذلك أن عليه أن يعمل مع الآخرين كأحدهم، وأن عليه أن يعمل دون تمييز أو فرقة، فما يهم هو حل المشكلة التي هم بصددها، فلدينا في الجامعة طلبة من جلّ بلدان العالم.ويبدو من حديث الرئيس، أن أسلوب الجامعة ليس مستشرفاً للمستقبل فحسب، بل يرتكز كذلك إلى: الريادة، واجتراح حلول للمشاكل والتحديات التي تواجه الجامعة. وهذا منطقي؛ إذ كيف بوسع جامعة أن تعلم طلابها شيئا هي تفتقده! أما جامعة «إم أي تي» فلا تفتقد الريادة ولا حتى مجابهة تحدياتها، وتاريخها الذي يمتد لنحو 150 سنة خير شاهد. وفوق ذلك، فقد أشركنا البروفسور ريف بالحديث عن أحد التحديات التي صادفت جامعته، قال: كثيرون يتقدمون للقبول في جامعتنا (عدد الطلاب نحو 11 ألفا)، والكثير يستحقون أن يكونوا معنا (القبول 8 بالمائة من المتقدمين)، لكن سعتنا محدودة، ولذا قررنا أن ننفتح على العالم بأن نتيح المواد التي تدرسها الجامعة عبر الانترنت، وبذلك مَكنّا نحو 180 مليونا من الاستفادة من تلك المقررات! ونحن ما زلنا نختبر أساليب متنوعة للاستفادة من ذلك الاقبال.في طريق عودتي من تلك الأمسية شعرت بأن النجاح المستدام لـ «معهد ماسيتيوسس للتقنية»، لم يأت مصادفة، فنحو 85 ممن أحرزوا جائزة نوبل مروا على تلك الجامعة إما خريجين أو أساتذة، بل أتى بحرصها على أن تستثمر في المستقبل، بعقلية جادة وتوجه استراتيجي تبتغي تحقيق نتائج تنفع الناس، فشعارها «عقل ويد!» ولذلك بقيت في المقدمة. وعندما تكون في المقدمة، فمتوقع أن تملك جراءة للخروج عن المعتاد، وقدرة أن تقنع الناس للتحول لما تقوله. لكن البروفسور ريف كرر على مسامعنا أننا نملك في وطننا الغالي أهم عنصر؛ رأس مال بشري، ونبهنا وأوصانا أكثر من مرةٍ في معرض حديثه أن نُحسن استغلاله ونحرص عليه.