أفكار بِرَسْم التأجيل!
أطلق لخيالك العنان، وعش في أي عصر تشاء، لكن إذا كنت ترغب في حياة عادية رتيبة، أو كنت تؤثر السلامة، وتنشد راحة البال، فلا تتجاوز زمانك. عليك أن تكون متناغما ومنسجما مع ما هو سائد ومألوف من الأفكار والمفاهيم. فالحاضر ـ أي حاضر ذلك العصر الذي تخيَّلتَ العيش تحت مظلته ـ لن يغفر لك أي تجاوز لا تستوعبه أذهان الناس، أو يتعارض مع أجندات القوى التي يهمها أن يبقى الحال على ما هو عليه. فإذا كنت فنانا متجاوزا لمعايير الفن التقليدية مثلا، فأعمالك الفنية ـ وفقاً لمعايير وقيم الحاضر ـ مجرد حماقات تنافي الذوق العام، أو محاولة شريرة غايتها تخريب الفن وإفساد الأذواق، ولن تجد لها قبولا لدى الناس لأنهم «أعداء ما جهلوا». كما أنها لن تجد الدعم والمؤازرة من المؤسسة الثقافية التي غالبا ما تمالئ ذائقةَ القوى المحافظة.ذات يوم اقترح أحد الفنانين المتمردين المهمشين أن يختار الفنان بنفسه إطار لوحته، وأن لا يترك ذلك لذائقة المشتري الذي قد يختار للوحة إطارا يشوهها. وعلق فنان آخر مقترحا تغيير ديكور الغرفة ليلائم اللوحة. وتمادى ثالث مازحا ومقترحا تغيير ديكور المدينة. والواقع أن تحقيق ما ذهبت إليه تلك الدعابة يبدأ بتغيير الذائقة الواقعة في أَسْر السائد والمألوف قبل تغيير الإطار وديكور الغرفة والمدينة. أما إذا كنت مفكرا سابقا لزمانك فذلك مأزق المآزق. فقد تصبح هدفا لقوى التقليد والمحافظة التي تألف الثبات وتخشى التحول، وستقاوم أفكارك القوى المناوئة لأي تجاوز قد يفقدها امتيازاتها. المحرضون بين الجدران والبيادق في الشارع، كما يقال. ولتلك القوى مريدون وتابعون من العامة يأتمرون بأمرهم، ولا يسألون عما قالوه برهانا. لذلك حقق العوام رغبة المحرضين فاعتدوا على ابن رشد وأخرجوه من مسجد قرطبة. وقد كان ذلك، وما زال، شأن العوام مع كل فكر طليعي. وإذا ما تعلق الأمر بمحنة الفكر والمفكرين، وبضريبة التجاوز، فإن الحديث عن الماضي لا يعني أن الحاضر أحسن حالا. ومن المفارقات الجديرة بالتأمل أن الفكرة التي قمعت بالأمس، تبدو اليوم مقبولة وسائدة. كما أن العمل الفني والأدبي الذي كان يوما ما موضع استهجان الذائقة التقليدية، يدرس اليوم في الجامعات، أو يعرض في المتاحف العالمية، باعتباره عملا فنيا رائدا وممهدا لحداثة الفن. والفنان الذي عاش بالأمس منبوذا، وبات ليله طاويا، تباع لوحاته الآن بمبالغ طائلة. والعالم أو الفيلسوف الذي اضطُهد بالماضي وأحرقت كتبه، لأنه تجرأ على تفسير ظاهرة طبيعية بخلاف التفسير المتداول، تُسمَّى اليوم باسمه المعاهد والشوارع والساحات تخليدا لذكراه، واعترافا بريادته، وتغدو نظرياته جزءا من المنهج الدراسي. أما الأسماء الرائدة التي همَّشها الماضي فقد صارت تحتل موقع الصدارة، وموضع فخر مجتمعاتهم. اعتُبِر جاليليو هرطوقيا لأنه فسَّر بعض الظواهر الكونية تفسيرا مغايرا لما رسخ في أذهان الناس. حوكم عام 1616 م واستغرق الأمر قرنين كي تحذف الكنيسة مؤلفاته من قائمة الكتب المحظورة 1835م. كان الرجل سابقا لزمانه فتنكر له الحاضر وأنصفه المستقبل.ويبدو أنه لو قيض لتلك الأفكار الرائدة التي قُمعت بالأمس أن تنمو وتزدهر في حينها بمنأى عن عوامل التعطيل والإعاقة، لسارت عجلة التطور المبدع بشكل أسرع. إلا أن قوى كثيرة ساهمت، وما زالت تساهم، في تأجيل إبداعات اليوم إلى الغد.