المياه المعبأة.. تجارة بلا رقابة
انتشرت في السنوات القليلة الماضية لدينا صناعة المياه المعبأة بشكل ملفت للنظر يدعو للغرابة بسبب عدم الحاجة الماسة لهذا التوسع الكبير والذي يلقي بظلاله على مستوى الجودة أولا وأيضا لا يتفق مع توجه الدولة الذي يسعى للتقليل من استنزاف المياه الجوفية بحكم عدم وجود موارد مائية دائمة لدينا، ولعل أكبر دليل على هذا التوجه هو منع زراعة القمح قبل عدة سنوات وإعطاء مزارعي الأعلاف قبل أربعة شهور مهلة ثلاث سنوات قبل المنع النهائي بسبب الاستنزاف الكبير للمياه من هذين المحصولين.صناعة المياه المعبأة لا تقل استنزافا عن هذين المحصولين، حيث تمثل المصانع السعودية العاملة في مجال تعبئة المياه 70 % من إجمالي المصانع القائمة في دول الخليج العربي بطاقة إنتاجية تتجاوز 6.5 مليار لتر سنويا، فيما يتجاوز حجم استثمارات هذه الصناعة 6 مليارات ريال لأكثر من 400 مصنع وطني بالسوق.ربما يقول البعض إن هذه الصناعة تساهم في تشغيل الأيدي العاملة السعودية وهذا غير صحيح، فهذه المصانع لا تساهم إلا بنسبة ضئيلة في سوق العمل السعودي لا توازي ما تستنزفه من مورد هام لنا ولأجيالنا يفترض علينا المحافظة عليه لأن الحروب القادمة ربما تكون بسبب المياه ولذلك يفترض من وزارة العمل ما دامت هذه المصانع قائمة وتحقق أرباحاً هائلة أن تساهم في توظيف أبناء الوطن وبنسب عالية.إذا استثنينا مضار هذه المصانع جراء هدر المياه يجب أن لا نغفل مـشاكلها الصـحية، حيث تشير الإعلانات التسويقية لمعظم شركات المياه المعبأة بالايحاء بأن مصادر مياهها من الآبار الطبيعية وربما يكون الوضع غير صحيح لا أحد يعلم بسبب ضعف الرقابة، أيضا تعاني أغلب هذه المصانع من تدنٍ لمستوى النظافة (إذا سلمنا أن البئر مصدر المياه نظيفة) مما يسبب تلوثا للماء والعلبة معاً خلاف سوء التخزين، ونقرأ في الصحف باستمرار عن تحذيرات تصدرها هيئة الغذاء والدواء في المملكة عن بعض مصانع المياه وأهمية عدم شربها لتلوثها أو عدم نظافتها، وهنا أتساءل مادامت ملوثة لماذا لا يتم إغلاق المصنع بدلا من إنتاج المياه وهدرها ومن ثم التحذير من شربها؟ كما تشير بعض الدراسات الى أن بعض المصانع تعقم المياه بالأوزون، لذلك تتكون مادة اكسيد البرومايد التي ثبت أنها تتسبب في سرطان الكلى والفشل الكلوي.ما دمنا في صناعة المياه نتحدث عن شرب ماء (الحنفية أو الصنبور) وما تنفقه الدولة من مليارات الريالات على تحلية المياه الصالحة للشرب كبديل أكثر ثقة من المياه المعبأة (إذا سلم من التسربات) حيث يخضع ماء الحنفية لرقابة صارمة لا تتوافر لدى المصانع ولذلك يفضل الكثير من الناس الشرب من هذا الماء، وأتذكر أثناء سفري لبعض الدول الأوروبية لا يستخدمون في شربهم إلا ماء الحنفية ويستغربون من الإفراط الكبير في شرب المياه المعبأة.مستقبلا هل يتم الحد من هذه الصناعة حماية لأمننا المائي.