ليبيا من الصخيرات إلى الطائف
أمين عام الامم المتحدة بان كي مون، تحدث في الرابع من هذا الشهر في نواكشوط حول الوضع الامني العام وحضانات الارهاب الجديدة في شمال افريقيا. خطاب الرجل جاء ممزوجا بألم وقلق شديدين، وأكد بصورة واضحة، أن ليبيا مثال حي على عدم الاستقرار في قارة أفريقيا، معتبرا انها غدت مصدرا لقلق العالم؛ بعد سيطرة داعش على أجزاء كبيرة من أراضيها. وقبل هذا الحديث المؤرق بأيام معدودة تحدث مارتن كوبلر مبعوث الأمين العام للامم المتحدة إلى ليبيا في مجلس الأمن عن ليبيا وما يحدث فيها من فوضى تمارسها أطراف الحوار السياسي التي لم تنجح حتى الان في انجاز مهمة حكومة وفاق وطني، السيد كوبلر ومنذ توليه لهذه المهمة منذ أشهر معدودة لم يتحدث بمثل هذه الخيبة، ولم يك في حالة من الغضب واليأس مما يحدث في هذه البلاد، وفي المنطقة الجغرافية المحيطة بها. قال: وكأنه يعاتب جزءا من الليبيين ويواسي جزءا آخر، ان الغالبية من الشعب الليبي تريد التوصل لاتفاق سياسي بشأن حكومة الوفاق الوطني، إلا ان هناك أقلية من الليبيين تسعى إلى تعطيل تشكيل تلك الحكومة؛ خدمة لمصالحها السياسية الضيقة. هذه المرة الاولى التي يكشف كوبلر عن مثل هذه الغايات في اجندات الاطراف الليبية التي يعمل معها لتحقيق رؤية الامم المتحدة التي بذلت حتى الان مساعي كبيرة من اجل انجاز سلام بين أهل البلاد الليبية. هذه الرؤية وهذه الصراحة ربما تجعل الرجل خصما مباشرا لبعض الاطراف السياسية والقوى المسلحة أو جهات النفوذ المناطقية والقبلية. العبارات التي كانت محط أنظار المراقبين هي اقرار السيد كوبلر بأن تشكيل حكومة ديمقراطية في البلاد الليبية كهدف لليبيين وللأمم المتحدة منذ خمس سنوات، يبدو أمرا "خطيرا". وان عملية المصالحة السياسية بين مختلف الاطراف، بطيئة كالحلزون! هذه الاشارات وهذا المزاج القاتم التي تولد فيه هذه الرؤى يأتي في ظل حقيقتين اساسيتين هما: أولا: أن تنظيم الدول والمجموعات الارهابية المسلحة على التراب الليبي تنمو بشكل متسارع، وان هذه الجماعات تنشئ لها بنيات تحتية في المدن والمناطق التي تسيطر عليها كأجهزة الضبط الاجتماعي والقضاء وغيره، مستفيدة من الفراغ السياسي والامني. تمدد هذه الجماعات عمليا وفكريا يسير في كل الاتجاهات الشرق والغرب والجنوب والشمال. ثانيا: الملاحظ أن الامم المتحدة والمنظمات الدولية المختصة بدأت تسجل تناقصا مريعا في موارد الشعب الليبي، وفي ذات الوقت هناك تزايد لموار التنظيمات الارهابية، وشبكات تهريب السلع والسلاح والبشر. السيد كوبلر لم يخف قلقه مما يحدث في ليبيا، وربما ذهب إلى أبعد من ذلك عندما تحدث بشكل واضح محذرا الدول المجاورة لليبيا من أن التمدد السريع للتنظيمات الارهابية سيؤثر عليهم. بمعنى انتقال هذه الفوضى التي تتكاثر بدون قيود إلى أراضي الدول المجاورة وبالاخص الاراضي التونسية. الغريب أن حديث الرجل لم يمض عليه اسبوع كامل، إلا والاراضي التونسية تشهد عملية مروعة راح ضحيتها عدد كبير من الضحايا في مواجهة دامية في مدينة بن قرادن الحدودية، عبر مصادمات بين قوى الامن التونسية التي قيل انها تستعد لمواجهة عدة احتمالات على الحدود مع ليبيا، وبين جماعات مسلحة يعتقد انها تابعة لتنظيم داعش في شمال افريقيا. هذه الحادثة التي جرت مساء السابع من هذا الشهر أججت حدة التوتر الذي تشهده تونس وليبيا والمنطقة المحيطة وتواردت انباء عن اغلاق الحدود واستخدام سلاح الجو في تونس والجزائر لتطويق الازمة. ما بقي من سلطات لليبيين على بلادهم اقفلوا به الحدود في منطقة باب جدير مع تونس، وعلى الجانب السياسي يتعاطى الفرقاء في الداخل مضمون بيان وزع في مدينة طرابلس يفيد باعلان المؤتمر الوطني المنتهية ولايته، واعلان البرلمان الليبي المعروف ببرلمان طبرق بالتوصل إلى صيغة بين الطرفين لاجراء تعديلات في الاتفاق السياسي بما يستجيب للمرحلة ويحقق التوازن الوطني الشامل. هذا البيان يعني بصورة أخرى "نسف" اتفاق الصخيرات. التي سعت إلى انجازه كل الاطراف وبرعاية أممية طوال المدة الماضية. وهذه الوقفة ربما تذكر بما تناقله الناس في ليبيا من أن هذا الاتفاق مفروض، او اسماه البعض باتفاق الوصاية، المهم هنا في راينا أن الامم المتحدة وعبر مبعوثي الامين العام السابق واللاحق رفضت بشكل قاطع تعديل هذا الاتفاق. وتم التأكيد مرارا بان هذا الموضوع غير قابل للنقاش!! في ظل كل هذه التعقيدات في المشهدين الاقليمي والمحلي، وفي ظل التقاطعات الحادة بين الرؤى للحل وإمكانيته وقدرة الاطراف على تنفيذه، تسربت انباء صحفية حول مشروع طائف ليبي يباركه الليبيون وتسعى لترويجه اطراف دولية قريبة من الازمة الليبية قيل إنها الحكومة الايطالية. وأن هذه الصيغة للحل بين الليبيين التي يفضلون أن تكون برعاية سعودية، أو طائف آخر على غرار التسوية السياسية التي انهت الحرب اللبنانية وأصبحت تعرف سياسيا باتفاق الطائف. لن اطيل الحديث حول هذه الجزئية لانها لا تزال في طور التسريبات الاعلامية، وإذا ما ظهر حولها للعلن مواقف رسمية من الدول الراعية، او من الامم المتحدة أو من أطراف أخرى؛ فهناك الكثير مما يمكن ان يقال. المهم الان وقف تداعيات الفوضى التي بدأت تتجاوز الحدود وتنتشر في الاقليم وربما تتجاوزه.