دعوة للنهوض بوسائل إعلامنا
الإعلام الحديث لم يعد نقلا روتينيا للمعلومات وتداول ونشر الأخبار، وإنما عملية استراتيجية مهمة تستخدمها الدول والشعوب لتحقيق جملة من الأهداف الكبيرة سواء في حالات السلم والاستقرار والازدهار، أو الحروب ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وذلك ما جعل الإعلام يكتسب قيما مضافة في السياسات الوطنية لما يقوم به من أعمال وأدوار كبيرة وخطيرة باعتباره سلاحا فاعلا في كل معركة سياسية أو عسكرية أو أمنية أو غيره.بصورة إجمالية لم يواكب إعلامنا الوطني التحديات التي تواجه بلادنا وهي في خضم معركة سلام عادلة من أجل استقرار أمنها وأمن شعوب المنطقة العربية، فدور المملكة من الأهمية بما لا يمكنها أن تتفرج على الانهيارات التي تصيب بعض الشعوب وتؤثر على مكانتها وما ينبغي أن تفعله ليس لسلام المنطقة وحسب وإنما للسلام العالمي، ومعارك السلام أشد ضراوة من معارك الحروب العسكرية والقتالية المباشرة، وفي هذا الوقت لا نجد دورا إعلاميا استراتيجيا للمؤسسات الإعلامية، الفضائية المرئية والمقروءة والإلكترونية والمسموعة، وكل ما يمكن أن نقرأه أو نسمعه بعيد تماما عن حقيقة الأوضاع التي نعيشها وتتطلب أن نرتفع الى مستوياتها، فلا يزال كثير من المادة المنشورة والبرامج المرئية يواصل إسفافا في الطرح لا يليق بأجواء التعبئة والحضور الذهني للوطنية والاعتلاء بقيم الفداء والتضحية التي يجب أن تكون في مثل هذه الحالات.على سبيل المثال، لا يتوقف الإعلام الإيراني عن نشر وبث ورصد كل مجريات بلادنا، وتحليلها ووضع المتلقين في حالة مواكبة لما تخطط له بلاده، ويعمل على تحقيق تعبئة مستمرة بحيث يكون الجميع حاضرين ولديهم الرؤية والوعي الذي يمكن توظيفه لصالح بلادهم، وما يحدث في إعلامنا وبلادنا تحارب شمالا وجنوبا حروبا عادلة، وتكافح الإرهاب والتطرف، وتواجه تحديات اقتصادية أصابت العالم واقتصاده بأسره، أننا نجد تراخيا مريعا في المسؤولية الإعلامية والوطنية، فلا تتم تغطية عاصفة الحزم أو إعادة الأمل ومناورات رعد الشمال إلا على استحياء وكأننا نجهل قيمة ذلك، فيما تستمر البرامج الترفيهية في الفضائيات وكأن شيئا لا يحدث أو لا يعنيها ما يحدث.لا أعلم كيف هي رؤية القائمين على الإعلام وهم يرون طروحات ونشرا سلبيا وبعيدا عن الواقع، فيما جنودنا في الثغور يفدون الوطن بأرواحهم ودمائهم ويكون حظهم من النشر خبرا طارئا ويستأنف بعد ذلك برامج الإسفاف والغناء، ذلك أشبه بإقامة حفل في بيت عزاء، ودون إحساس حقيقي بما يجري لا يمكن أن نصل الى مستويات إعلامية جديرة بالاحترام، وهناك في تقديري خلل مؤكد في الرؤية الإعلامية، فما الذي يحدث إن تم تخصيص مساحات واسعة لتناول تطورات الواقع الميدانية ومواكبة المستجدات بصورة تغطي الأمور على نحو واسع، والتخلّي قليلا عن برامج الغناء و «أراب قوت تالنت» حتى ننتهي من معاركنا؟ لأن ما يحدث ليس فيه أدنى إحساس بالوطنية وتضحيات جنودنا البواسل وبقائهم ليلا ونهارا في مواقع القتال وهم معرضون للموت كل لحظة فيما وسائل الإعلام لا تزال تلهث وراء الفنانين والغناء والبرامج الترفيهية التي لا أعلم من تسلّيه ونحن على هذا الوضع الذي يحتاج أداء إعلاميا أكثر رقيا ومسؤولية؟!!