محمد الصويغ

إن أنكر الأصوات..

انشغلت خلال الشهر المنفرط بإعادة ما قرأته منذ أكثر من ثلاثين عاما، مثل: كتاب (الحيوان) للجاحظ، و(العقد الفريد) لابن عبدربه، و(ألف ليلة وليلة) و(الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني، وغيرها من المجلدات التراثية العريقة. ودعوني أركز هنا على الكتاب الأخير لأبو الفرج، فهو مدار البحث في هذه العجالة، فما جاء في هذا السفر القيم من أخبار أساطين الطرب في عصره يستحق الوقوف عنده قليلا.لاحظت في أسلوب المصنف استغراقه في وصف أصوات كبار المغنين في عصره، وعلى رأسهم ابن سريج ومعبد، ولعلهما من أشهر المطربين في ذاك الزمان كما يبدو، فهو يصف تلك الأصوات بأوصاف دقيقة للغاية حتى أنني تمنيت -وفقا لما جاء في تلك الأوصاف- أن اختراع الأشرطة التسجيلية ظهرت في عصره قبل عصرنا، وأخذت أضع مقارنة أولية بين تلك الأوصاف الرائعة الأخاذة وبين ما تخدشنا به – الأصوات الواعدة – كما يسمونها من غناء سقيم وفج في هذه الأيام. تلك المقارنة دفعتني لطرح تلك الأمنية، ولربما دفعتني في الوقت ذاته إلى أمنية لن تتحقق على أرض الواقع بالطبع، وهي مثول أبي الفرج بشحمه ولحمه بين صفوفنا؛ ليسمع ما نسمعه جميعا من هرطقات وسخافات تنتشر في معظم إذاعاتنا العربية وفي معظم محطات التلفزة بأقمارها المتعددة السابحة في الأجواء، فماذا تراه يقول أو يفعل؟ وأكاد لا أكون مبالغا إن قلت إنه قد يصاب باغماءة طويلة قد لا يفيق بعدها.ما نسمعه اليوم في عالم الأغنية العربية من أداء رديء ولحن رديء وكلمات رديئة يكاد يخدش أذواقنا قبل أسماعنا، فالأغنية الناجحة كما نعلم تعتمد على عناصر ثلاثة هي: الأداء الجيد، واللحن الجيد، والكلمات الجيدة، ومعظم ما نسمعه من ارهاصات في هذا الزمن يخلو من هذه العناصر تماما، وهو أمر يتضح لكل من له بصر وبصيرة من المستمعين والمشاهدين الذين ملوا -وأنا أحدهم- من هذه السخافات التي لا أول لها ولا آخر.ولا أريد ضرب أمثلة على ما يجري في الساحة، فما يرى ويسمع من تلك الأغنيات متاح للجميع، ويسمعه ويراه الجميع وهم مجبرون على ما يسمعون ويرون مصداقا للمثل السائر: «مجبر أخاك لا بطل».وأظن أن النقد الفني لا سيما ما يتعلق بالأغنية تحديدا متوفر في مجتمعاتنا العربية، والنقاد كثيرون، وهم يتحلون بثقافات فنية عالية، فلو أن سائر الأغنيات المراد بثها إذاعيا أو تلفزيونيا تعرض عليهم قبل الإقدام على بثها؛ لانتهت المشكلة من جذورها، ولكن كما يبدو على أرض الواقع فإن الكل يغني على ليلاه، فليس هناك توجه صادق من كل أجهزتنا المسموعة والمرئية في عالمنا العربي لقبول هذه الفكرة من جانب، وليس هناك ما يوقف تلك الأصوات المهترئة عند حدودها من جانب آخر.ولست هنا بصدد طرح كلمات تلك الأغنيات الفجة فالكل جبل على سماعها في غياب عمالقة الأداء وعمالقة اللحن وعمالقة الشعر، وما يجري على ساحة الأغنية العربية اليوم هو غثاء لا يسمن ولا يغني من جوع، والنسبة الجيدة من الأغنية الجيدة قليلة جدا إذا ما قيست بالنسبة المهولة من الأغنيات الهابطة.لا أملك في ختام هذه العجالة إلا أن أردد ما قاله المولى -العزيز- في كتابه الشريف: «إن أنكر الأصوات لصوت الحمير».. وما يدور في ساحتنا اليوم من أصوات منكرة هو أشبه ما يكون بأصوات تلك البهائم..