النصوص لا تمنع الإجرام
بالأمس شيعت الأحساء جنائز أربعة شهداء قضوا يوم الجمعة في هجوم إرهابي على مسجد الرضا.يُقال «يولد الأمل من رَحم المعاناة»، والمعاناة مخاض وألم لا يُحتملان إلا لتتفتق عن أمل جديد. ومعاناتنا في هذا البلد الأغلى، أن هناك من لا يريد أن يَفهم، ولا يريد للآخرين أن يفهموا أن ليس من حقهم أو أحد غيرهم المزايدة على الآخرين في ولائهم وإخلاصهم. والمعاناة أن هناك من يخلط الأوراق والأفهام والأولويات، فينتج عن ذلك ليس وجهات نظر، فالاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، بل ينتج قتل وإرهاب وترويع وهتك للأمن والأمان. والمعاناة أن يَقتل مواطنٌ مواطنين عن سبق إصرار وترصد، والجميع يستظل بدين الرحمة والتسامح والعدل والانصاف والابتعاد عن التجريم والاتهام خبط عشواء!هذه معاناة أكبر من أن تُكنس تحت البساط، وأشمل من أن يتملص أي منا من المسئولية عنها. هي معاناة أخطر من أن نهرب أو نتهرب من التعامل المباشر معها. هناك من يصر على تبديل حالة التعايش إلى تنافر وتكاره، فما إصرارنا نحن مَن يعارضه؟! وما رغبتنا نحن؟ وما هدفنا نحن؟ هل هذه الأفعال الإرهابية المتناثرة تؤثر؟ بالقطع، فالنار توقد من مستصغر الشرر، لكن ما هو مستصغر الشرر هنا؟ المشين ليس فقط الفعل الإرهابي، الشَين المستتر هو من زرع فكرة القتل في عقل شابٍ يافع، لتكبر تلك الشرارة فتصبح ناراً تدفع الشاب الموتور دفعاً ليفجر نفسه وسط جموع من الناس المطمئنين. إذاً فمع كل فعل إرهابي نحن أمام «نار» قد اشتعلت. هناك مَن لا يزال يعتقد أنها من «مستصغر الشرر»، أي مما يُمكن أن يُهمل ويُترك ولا يُلتفت له، وهنا بيت القصيد بل القصيدة كلها؛ تصوروا يافعاً صغيراً يتلقى عوضاً عن قطع الحلوى حشواً ذهنياً بأن من حوله أعداء، قد يكون مَن حوله (أي الأعداء المفترضون) والديه أو اخوته أو جيرانه أو زملاءه أو أهل الحارة المجاورة أو القرية القريبة أو البلدة البعيدة! ليبدأ اليافع الصغير بكراهية «الأعداء» والتطلع لليوم الذي «يقتلهم» فيه، ومع تواصل جرع التحريض، يشتعل الغلّ في صدر اليافع وتكبر الكراهية والتحرق للقتل.تلك كانت المعاناة، أما الأمل فيولد بأن تصبح حالة التآزر، حالة مستديمة راتبة وليست «موسمية» تظهر مع الحوادث الأليمة ثم تعود لتضمر وتخبو. ولاستدامة حالة التآزر فلا بد أن نقف صفاً واحداً متراصاً لصون بلدنا وتحصينه مما ومِمن قد يهدد أمنه، فوطننا هو حصننا الحصين بعد الله سبحانه، وعلى كل مشكك أو متهاون ومفرط وواهم أن ينظر لبلدانٍ عربية شقيقة من حولنا، ماذا فعل بها التكاره؟! يا للأسف، انهارت وتشظت فأصبح أهلها من جميع الأديان والمذاهب والتيارات والمدارس الفكرية والعقدية متناثرين في الشتات، بعد أن كانوا سادة أعزاء في أوطانهم! كيف يولد الأمل من رحم المعاناة؟ أي أين الأمل وكيف يتجسد ويتبلور فيصبح قوة إيجابية هائلة تُحيل الهجمات الإرهابية إلى رماد؟ مرتكزات ثلاثة متكاملة مترابطة: (1) مرتكز يخص كلا منا في المقام الأول. عندما تلقن ابنك أو ابنتك كراهية أهله في الوطن أو عدم احترامهم وامتهان كرامتهم، فتلك هي الخطوة الأولى لزرع الكراهية في روحه البريئة. أقول هذا القول موجهاً إياه للجميع، ولا أستثني أحداً مني وعلي، وأبدأ بنفسي ولا أزكي على الله أحداً. (2) مرتكزٌ يخصنا جميعاً، وبعد الأمر الأول وليس قبله، فلا بد أن نحرص –متكاتفين ودون مهادنة أو مداهنة- على وأد أي فتنة تهدد أمن وأمان وطننا والسلم الاجتماعي فيه، بأن نتآزر فلا نسمح لأي شخصٍ وتحت أي ظرف بأن يمشي بالنميمة والفرقة بين مكونات بلدنا فذلك يؤدي إلى هتك النسيج الجامع لنا، ولا مجال للتخفيف من تأثير ذلك ونحن نرى أن نتائجه دم يُستباح وتهديد للأرواح المعصومة. (3) مرتكزٌ يخص استنان قانون وتنفيذه، بتجريم من يفتئت على الوحدة الوطنية ومكونات مجتمعنا السعودي، وذلك من خلال نظام (قانون) بأحكام تشمل عقوبات رادعة، ومن قال من زملائي السابقين في مجلس الشورى أو غيرهم من أن النظام الأساسي للحكم يغطي ذلك، فأكرر ما سبق أن دونته هنا وقاله غيري كثيرون، بأن النظام الأساسي للحكم، هو أساسي ونصوصه عامة ومرجعية، ويمثل إطاراً وانطلاقاً من ذلك لا يشتمل على أية عقوبات على سبيل المثال لا الحصر.