سالم اليامي

ماذا بعد مقال الوزير الجبير ؟

الخلاف الذي تتصاعد حدته بين المملكة العربية السعودية، وايران في أعقاب التطورات والاعتداءات الدرامية على البعثات الدبلوماسية السعودية في طهران ومشهد لم يكن الأول بين البلدين، وفي التقدير الأعم لن يكون الأخير؛ لأن العقود الأربعة الماضية شهدت خطا بيانيا متصاعدا من حالات الخلاف والتوتر بين البلدين بشكل مباشر وبين ايران من جهة وأكثر من قُطر عربي وخليجي من جهة أخرى، وليس هناك حتى الآن على الأقل إشارات قوية، ومقنعة على أن ذلك التصاعد الصراعي ستخبو حدته.وإذا توقفنا عند الخلاف الحالي فلعله يتميز بنوع من الحدة والشمولية وتعدد الأسلحة والأدوات التي استخدمت، ومن بينها اداة أو سلاح الإعلام وتوظيف المطبوعات العالمية كمنابر سجال سياسي، والاشارة هنا للمقالات التي كتبها وزيرا خارجية البلدين، كل للدفاع عن موقفه وبيان رأيه في السلوك والتصرف السياسي للطرف الآخر. المهم لديَّ أن مقال معالي وزير الخارجية الأستاذ عادل الجبير، تزامن مع بيان لجهات حكومية سعودية مسؤولة تضمن عدداً من الحقائق التي كانت تشكل الجسم الحقيقي لنهر العلاقة السعودية الإيرانية، مجمل تلك الحقائق يحمل عنوانا واحدا لطبيعة العلاقة المتدفقة تجاه المملكة وأمنها واستقرارها وهو "الصراع".في المقابل كشفت كل تلك الحقائق أن الجانب السعودي في معادلة علاقته بالجار الإيراني كان يمارس درجة عالية من الصبر، والحكمة، والتروي وضبط النفس. مقال معالي الوزير الجبير جاء في عنوانه القوي، ومضمونه الواضح ليضع ايران أمام حقيقة اللحظة الراهنة، هل للتغيير مكان في مستقبل الأيام؟ في نهاية المقال ومع تمنيات معاليه بأن تتمكن النخب السياسية في هذا البلد الجار من ممارسة التغيير لمست شيئا من الروح السعودية الطامحة الى مستقبل يخلو من الصراع، بشرط أن تتمكن النخب السياسية الحاكمة من التخلص مما يمكن النظر اليه في ثقافتها السياسية المعاصرة من المرجعية الدستورية للنظام التي تؤكد على مفهوم تصدير الثورة، واذا تمكنوا كذلك من التخلص مما يعرف بوصية الخميني التي تتمحور حول قضية "نصرة المستضعفين في العالم" وهي المعادل السياسي للتدخل في شؤون الدول الأخرى خاصة دول الجوار.سؤال معالي الوزير الجبير، في تقديرنا تضمن كلمة مفتاحية، أو كلمة سر، تلخص كثيرا من الاشكاليات في الموقف السياسي الايراني، تلك الكلمة هي : "التغيير" وما تتضمنه من تحديات مرتبطة بهذا المفهوم سياسيا واقتصاديا وحتى ثقافياً. آمل التنبه هنا الى هذا المفهوم العميق في التاريخ البشري وما يتفرع عنه من مسارات ثانوية بما في ذلك مسار للعلاقات بين الدول، يحيلنا - كقراء للوضع الراهن - إلى التبصر في عدة أبعاد تحيط بالدائرة العامة للخلاف السعودي الإيراني. أول تلك الأبعاد اننا في واقعنا العربي الذي هو مستهدف في مجموعه الى الآن من الطرف الآخر نعيش حالة غير مسبوقة من الخلل الواضح في بنية النظام السياسي العام، وأن هناك أنظمة تتعرض لمخاطر حقيقية حالة منذ العام ٢٠١١م. البعد الثاني أن هناك موجة جديدة من العنف السياسي والاجتماعي والطائفي تجتاح المنطقة، وتتنامى بسرعة لدرجة أنها بدأت تشكل خطرا - أو هكذا يتصور الغالبية - على وحدات سياسية ومجتمعات خارج منظومتنا الإقليمية والثقافية. البعد الثالث أن المنطقة التي يتغذى فيها الصراع على مدى هذه العقود، تشهد أمرين مهمين على مستوى التغيير في مفاهيم القوة واستراتيجيات السياسة الدولية، الأول: تراجع دور لاعب استراتيجي تقليدي وتبدل عدد من خياراته، الآخر : نشوء وبروز تحالفات جديدة ولاعبين جدد اقليميا، ودوليا. كل هذه الدوائر المتداخلة من التغيير في منطقتنا وفي العالم حري بِنَا ألا نكون بعيدين عنها. وكما كانت رؤية وأسئلة معالي الوزير مباشرة ومركزة للجانب الإيراني حول قدرته على اجتراح حالة التغيير، في السياق الموازي يذكر كثير من الآراء الاقتصادية ان هناك جولة من الازدهار الاقتصادي يتوقع ان تتحقق في الجانب الإيراني في أعقاب رفع الحظر وإزالة العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليه، اذا توقف العقل السياسي هناك عن تحقيق تغيير طبيعي في النقاط التي اثارها معالي الوزير ستكون حالة الرفاة المتوقعة شكلية وأحادية ولا تعكس فهمًا حصيفاً لمعنى التغيير الذي يقود إلى تعظيم معاني السلام والتعاون وتبادل المنافع ضمن علاقات طبيعية خالية من التوتر. في الختام - وبما ان الشيء بالشيء يذكر - حريٌ بِنَا نحن في المنطقة العربية وفي منظومة دول مجلس التعاون بشكل خاص ان نستخلص العبر من هذا الدرس الصراعي الطويل ونتغير بمعنى ان نكون اكثر توحدا واستعدادا من أي وقت مضى للتعامل مع الواقع وتقلباته. كما يحب ألا ننسى أن العالم من حولنا يتغير بمفاهيمه وقناعاته ورؤاه، ومن المفيد جدا ألا نتأخر عن كل ذلك، لنشارك الآخرين ثمار أي تعاون عادل ومتوازن، أو لنكون قادرين - بقوانا الذاتية - على حماية خياراتنا والدفاع عن مصالحنا.