التنافسية ومنتداها ومنتدياتها
عقد هذا الأسبوع في الرياض منتدى التنافسية التاسع. وليس من المبالغة الزعم أن مقولة «مش ح تقدر تغمض عينيك» انطبقت على الأيام الثلاثة للمنتدى، ليس لشيء إلا أن جهداً بذل لجعل البرنامج ثرياً أولاً وحافلاً ثانياً، فقد كان ثرياً بأنه وفر فرصاً ليس بالضرورة لعقد الصفقات، بل لإتاحة الفرصة لعرض وجهات النظر، فمثلاً كان المنتدى منصة الظهور العام الأول لوزير التعليم، ليعرض من على منصة المنتدى مرئياته الأساسية لتطوير التعليم. كمواطن، كنت أتطلع لسماع مرئياته حول تطوير التعليم، وهي الوظيفة التي يبدو أنها كفرس جامح، بحاجة لمن يقنعها للسير معه في طريق تملؤه التحديات. وكان كذلك الظهور العام الأول الرئيس –في تقديري- لرئيس أرامكو السعودية الجديد، وتعامله مع الأسئلة في فترة تمر بها سوق النفط بمآزق متداخلة، ليس أقلها طرح شركته للاكتتاب العام، فاستكمل ما كان قد بدأه رئيسه في اليوم الذي قبل.ولكَ أن تتصور، كيف أن تلك التصريحات كانت تنقلها وكالات الأنباء آنياً، فمثلاً كانت بلومبرج تتتبع تصريحات رئيس مجلس إدارة أرامكو، وفي اليوم الذي يليه تصريحات الرئيس التنفيذي للشركة، ثم لتتابع كيف يتفاعل المحللون وبعد ذلك الأسواق، كان ذلك خارجياً. أما داخلياً فكانت كلمات وزير التعليم تحظى بتتبع هائل لكل عبارة على حدة. وليس هنا مجال لتناول محتوى ما قيل، لكني أقول إن ما قيل من منصة منتدى التنافسية كان محط اهتمام مقر المنتدى، على ازدحامه بحضور نوعي، وخارج قاعته، وخارج العاصمة، ليشمل الوطن وما حوله وأبعد من ذلك بكثير.هناك من لا يحفل بالمؤتمرات –من قريب أو بعيد- بالملتقيات والمنتديات، ويعتقد أنها مناسبات «للحكي»، بالقطع لست منهم. والمنتديات ليست مكائن للإنجاز بل مناسبات لتبادل المعرفة أو للاستزادة منها؛ وجهة نظر، مقترح، أو تجربة. ولقد حفل منتدى التنافسية بكل ذلك، فمثلاً استمع الحضور لتجارب محلية وعالمية ذات صلة بالتحديات التي يعايشها بلدنا الغالي؛ فمثلاً كان ملفتاً تجربة لفتاتين سعوديتين في إنشاء أعمال ذات منطلقات إنسانية وقيمة مضافة تجمع بين المجتمع والاقتصاد، لتلخص ما يفوت الكثير من دهاقنة الأعمال عندنا، من أن الاقتصاد ظاهرة اجتماعية في الأساس! واستفاد الحضور، وكل من تابع عبر الانترنت، من تجارب عالمية في الأعمال الإنسانية، كما حدثتنا السيدة جاكلين، عن تأثير الجامعات البحثية على المدن التي تقبع بها، كما حدثنا رئيس جامعة جون هوبكنز المرموقة. ولا أخفيكم أنني أثناء حديثه كان يأخذني الخيال لأتساءل: هل ينطبق هذا على جامعاتنا؟ هل سنطبق هذا على جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)؟ ثم أعود لما يقول مرة ثانية لأجده يقول: إن جامعتنا تمتلك أفضل مستشفى في الولايات المتحدة وربما العالم، وأتبعه بعدة أمثلة عن شركات ولدت من رحم تلك الجامعة؛ من طلابها وأساتذتها.ولا أسعى هنا لتقديم عرض أو حتى إيجاز لما احتواه المنتدى، لكني أعرض مقتطفات تعزز وجهة النظر القائلة بحاجتنا للعديد من هذا النوع من الملتقيات، وسأوضح قصدي في الختام. لكني استمعت باهتمام بالغ للتجربة السعودية الرائدة لبيت فكر سعودي بامتياز وهو مجموعة الأغر، والذي أعتز بعضويته وبمشاركتي في العديد من أنشطته ومبادراته، ذات الصلة بالاقتصاد السعودي ووضع استراتيجية لحفز نموه عندما كانت أسعار النفط في الحضيض قبل نحو عقد ونصف من الآن، واستراتيجية التحول لمجتمع معرفي والتي ارتقت في سلم النقاشات لتكون بذرة لجهد رسمي هو الاستراتيجية الوطنية للتحول لمجتمع معرفي، فقد استعرضت دكتورة نصيف جهود مجموعة الأغر، والتي يمكن اعتبارها مثالا يحتذى لتأسيس وإطلاق بيوت للفكر العام والمتخصص لتناول تحدياتنا، تبادر باقتراح حلول لمشاكلنا، واستعراض خيارات لتحدياتنا، ليس العام منها بل لكل شاردة وواردة، فهي ستجسد صورة من صور القوة الفكرية التي تختزنها العقول هنا وتلاقحها مع رواد الفكر من الخارج. والنقطة الأهم هنا استقلالية هذه المراكز، فمثلاً أصدرت مجموعة الأغر استراتيجية حول النمو الاقتصادي منذ سنوات طويلة، تمثل عصارة فكر مجموعة من السعوديين، هي وجهة نظرهم النابعة من خبرتهم التراكمية، ومعرفتهم الدقيقة ببلدهم ومجتمعه واقتصاده والأنشطة المتنوعة لذلك الاقتصاد، وهي خبرة تعدادها مئات السنين، وأتى بعدها بسنوات تقرير من بيت فكر مستقل تابع لبيت خبرة عالمي مرموق. لن يلغي أحدهما الآخر بل يقدم كل منهما وجهة نظر، وبما أن الحكمة ضالة المؤمن، فذلك يعني إثراء الفرصة لتنويع الخيارات أمام متخذ القرار أياً كان موقعه ومسئوليته.أعود لمنتدى التنافسية لأقول، لعل من المناسب أن تعقد الهيئة العامة للاستثمار منتديات «مناطقية» للتنافسية، في كل منطقة من المناطق الإدارية الثلاث عشرة، وذلك بالتعاون مع الجهات المحلية في تلك المناطق. والمبرر لهذا المقترح أهمية تعميق فهم التنافسية باعتبارها الجسر الذي من خلاله سيعبر اقتصادنا من إنتاجية متدنية واعتماد على النفط إلى إنتاجية مرتفعة واقتصاد متنوع قادر على المنافسة العالمية المفتوحة. بالقطع سيثقل المقترح –في حال تنفيذه- كاهل الهيئة، لكن علينا النظر إلى أهمية التنافسية الحرجة لتحول اقتصادنا، وللرفع من انتاجيتنا، ولاعتمادنا على مواردنا البشرية لتوليد القيمة، واعتمادنا على قطاعنا الخاص لتوليد الوظائف ولكبح البطالة، والاعتماد على رأس مالنا البشري للحد من نزيف الخبرة وللحد من تضخم العجز في حسابنا الجاري. النقطة هنا افساح المجال لتحتل التنافسية الصدارة من اهتماماتنا، حتى لا تصبح عبارة عن حُلم يُحكى ولا يطبق.