أيهما الأكثر «1-2»
لو فرشت ما في ذاكرتك من الأسئلة والأجوبة وحدّقت فيها تحديقا نافذا ثم سألك شخص ما: أيهما الأكثر في هذا الذي بسطته أمامك هل هو الأسئلة أم الأجوبة؟ ترى ماذا ستقول؟لن تجيب مسرعا لأن الإجابة تتطلب منك أن تسأل نفسك سربا من الأسئلة والأجوبة.. مثل: هل وصلت إلى هذه الأسئلة والأجوبة بنفسك أم بغيرك؟ وهذا سؤال عنقودي يتفرع إلى أسئلة عديدة مثل: هل نشأتك في ظل مفاهيم ثقافة موجودة من قبلك لم تترك فيك أثرها؟ وإذا كان العكس هو الصحيح فما مقدار هذا الأثر؟ وما معايير الصواب والخطأ فيه؟هل أحصيت الأسئلة والأجوبة التي تملأ ذاكرتك وفرزت الجزء الذي وصلت إليه أنت بجهدك المعرفي وبين الأجزاء التي انغرست فيك من خارجك؟ ثم ما مقياسك في أنها صحيحة؟ إذا سبق أن قيل: وهو قول صائب: (الأفكار كلها صحيحة إذا لم يكن معيارها الواقع الاجتماعي والتاريخي) والأفكار ببساطة هي الأسئلة وأجوبتها. إن المفاهيم التي تتولد منها القناعات والقوانين التي تحكم السلوك البشري.. بل وتطور تلك المفاهيم والقوانين الدائم لم يتم كل ذلك إلا بفضل الأسئلة عن المجهول في كل ميدان.. وهي لم تولد كاملة.. بل إنها في صيرورة تكاملية مستمرة استمرار الإنسان.ومما يزيد الطريق شوكا أن قراءة الواقع الاجتماعي والتاريخي التي هي مقياس الصواب والخطأ ليست واحدة. فهي تختلف باختلاف الثقافات واختلاف الأزمان، ولا ننسى الجغرافيا التي هي العامل الثابت في التاريخ. وكذلك نمو المعرفة.. وهذا واضح حين نقرأ ذلك على ضوء ما قاله هرقليطس: (إنك لا تستحم في النهر مرتين).الآن وبعد هذه التفرعات، أسألك سؤالا أخيرا: ما هو الأكثر في ذاكرتك من الأسئلة والأجوبة.. هل هو ما توصلت إليه أنت بجهدك المعرفي.. أم تلك التي سالت عليك من روافد أخرى؟ولن تجيب مسرعا لأن ما توصلت إليه بجهدك الفردي لن يكون خالصا إلا إذا كنت (ديكارتيا) وحتى ديكارت نفسه لم يتخلص من كل ما غرسته الثقافة السائدة فيه. ضرورة السؤال طرحتها أقلام كثيرة ولا تزال لأنه هو الذي أخرج الإنسان من المرحلة البيولوجية إلى المرحلة الثقافية وهو الذي ولد الفلسفة وما تفرع عنها من العلوم ولا يزال.. والضرورة لا تحتاج إلى إثبات.