حسن السبع

مُتلازِمة «مشِّي حالَك»

قصد مراسل صُحفي منزلَ الكاتب الأيرلندي صموئيل بيكيت في باريس، طرق الباب ولم يكن يعرف بيكيت أو رأى صورته من قبل، وعندما فتح بيكيت الباب سأله المراسل: "هل السيد صموئيل بيكيت موجود؟"، فرد قائلا: "لا أعرف، لحظة واحدة، سوف أرى"، دخل بيكيت إلى البيت ثم عاد إلى الصُّحفي ليقول له: "السيد بيكيت غير موجود"!أراد د. علاء طاهر من إيراد هذه الحكاية في كتابه (الخوف من الكتابة) أن يقول: إن أبسط الأسئلة وأكثرها عادية في حياتنا تبدو أكثر غموضا وتعقيدا مما نظن، وخصوصا حين ينظر إليها من زاوية مختلفة، كهذا السؤال المتعلق بالوجود، قد تكون قراءة علاء طاهر لهذه الحكاية صحيحة، بل هي كذلك، كما أنها مدخل جيد للحديث عن صموئيل بيكيت، غير أني سأتجاهل بُعدَها الفلسفي، لأتخذ منها مدخلا للاعتراض على مبدأ "مشّي حالَك" السائدِ في بعض المواقع الثقافية والإعلامية. قبل الطفرة التقنية الراهنة، أُطلقَ على بعض المحررين مسمى (صُحفي الفاكس) وهو المحرر الذي يحصل على تقاريره الصحفية دون أن يغادر مكتبه، ما عليه سوى أن يرسل أسئلته بواسطة الفاكس، ثم يقوم بنشر الردود دون زيادة أو نقصان تاركاً جزءا من عمله لقسم التصحيح. تغير المسمى الآن، فأصبحنا في زمان (صُحفي القص واللصق) أي ذلك الذي يحصل على مادته الصحفية مما تجود به الشبكة العنكبوتية التي أصبحت شبيهة بـ"حارة كُلْ مين إِيْدُه إِلُو". أعود إلى حكاية صموئيل بيكيت، وأجرّدها من بعدها الفلسفي، لتبدو بسيطة، بل موغلة في المباشرة، فأسأل: لماذا نتوقع من بيكيت، وهو الكاتب القلِق المشغول بفوضى الواقع، والمشحون بضجيج الأسئلة، أن يهدر وقته مع مراسل صحيفة لا يعرفه، وقد لا يكون مطلعا على نتاجه الأدبي والفكري؟ وهل نجانب الصواب إذا افترضنا أن ما قام به بيكيت ليس سوى محاولة للتخلص من المراسل؟. تذكرني هذه الحكاية بحكاية مراسل آخر قابل الصديق الراحل عبد العزيز مشري، وكان مشري ضيفا على مهرجان الجنادرية، كان أول سؤال وجهه المراسل إلى القاص عبدالعزيز مشري عن عدد الدواوين الشعرية التي أصدرها، وآخر قصيدة كتبها! وكان مشري محقا عندما طلب من المراسل أن يأخذ كاميرته وآلة التسجيل ويرحل، ما دام لا يعرف إن كان ضيفه شاعراً أم قاصاً. لكلِّ مثل قصة، وقد سألت أحد الأصدقاء عن أصل المثل القائل: "كُلّه عند العرب صابون" فصحح لي المثل قائلا: "كل شيء يرغي عند العرب صابون"، ثم أضاف: "لا أعرف قصة هذا المثل، لكني أعرف أمثلة تلامس معناه"، قلت له: "هات"، قال: من المفارقات التي تلامس هذا المعنى هو أن يُنتدب مراسل صحفي لا علاقة له بالأدب لتغطية أمسية أدبية، فيتمخض وجوده عن تغطية صحفية تؤكد المثل القائل: "من تكلم في غير فنّه أتى بالعجائب"، ومن العجائب كذلك أن ينسى مراسل صحفي آخر دوره، فيتحول من ناقلٍ لوقائع الفعالية الأدبية إلى ناقدٍ يقيّم تجاربَ المشاركين فيها، واسترسل صاحبي في سرد بعض المفارقات العجيبة التي أصبحت من الأمور المألوفة في بعض الأوساط الثقافية والإعلامية. غير أن الإشارة إلى بعض أوجه الضعف والركاكة لا تعني خلو الوسط الثقافي والإعلامي من ذوي الكفاءات المميزة، والتجارب المبدعة، والمهنية العالية، مع ذلك، فإن الواقع سيكون أجمل لو استُبدِلت عبارة "مشّي حالَك" بعبارة "لا يصح إلا الصحيح".