محمد العلي

غروب الطوبى «2-2»

ذكر عبدالإله بلقزيز أن ما يمتاز به المثقف القديم هو رضا السلطة بخلاف المثقف الحديث. ولكنه لم يشرح لماذا كان هذا الامتياز الذي بسببه كانت آراء المثقف القديم غير محجوبة عن الناس. وحين نريد معرفة هذا السبب علينا أن نسأل السؤال التالي: من هو المثقف في الماضي؟يمكن تعريف المثقف بأنه من تؤثر آراؤه في قناعات الناس وسلوكهم.. وتحت هذا التعريف نرى أن المثقف في الماضي كان هو الفقيه وكان هو الشاعر وكان هو أديب (المقابسات) حسب تعبير محمد عابد الجابري.. وكان هؤلاء من مؤيدي السلطة بصورة متفانية.. وحين تسأل عن السبب تجده في أن المفاهيم المؤثرة آنذاك كلها تدعو إلى تأييد السلطة.. وحين تسمع عن أفراد أحرقت كتبهم فذلك لم يحدث لأنهم ضد السلطة.. بل لأنهم ضد الأفكار السائدة عند الناس.المثقف الحديث وجد نفسه أمام مفاهيم إما أن يستجيب لها أو تنتفي منه صفة المثقف بل صفة (الإنسانية). من تلك المفاهيم الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية والسلوك الأخلاقي والدعوة إلى (التغيير)، وحيث إن كل سياسي أو سلطوي في العالم يرفع شعار (ليس في الامكان أبدع مما كان) كان صدام المثقف بصخوره حتميا.لا أحد يشك في التأثير المدمر للغزالي في وقته على قناعات الناس وأفكارهم والصفة الغالبة عليه هي أنه (فقيه)، هذا الغزالي والذي أحرق كتابه (إحياء علوم الدين) في قرطبة استمع إلى ما يقوله في السلطان:«أما بعد فإني لم أزل مدة المقام بمدينة السلام متشوقا إلى أن أخدم المواقف المقدسة النبوية الإمامية المستظهرية ضاعف الله جلالها ومد على طبقات الخلق ظلالها بتصنيف كتاب في علم الدين أقضي به شكر النعمة وأقيم به رسم الخدمة وأجتني بما أتعاطاه من الكلفة ثمار القبول والزلفة (...) حتى خرجت الأوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية بالإشارة إلى الخادم في تصنيف كتاب للرد على الباطنية...» الخ.الغزالي «فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية»، تحقيق عبدالرحمن بدوي.بعد هذا ألا تعذر الشعراء المساكين؟ ألا تعذر أدباء المقابسات في الماضي.. أما لو ذهبت إلى ما قاله الفارابي فستضع كفيك على وجهك خجلا.