التحول الوطني.. واستثمار مخرجات الابتعاث
التوقيت الذي بدأ الإعداد فيه لإستراتيجية التحول الوطني، بقيادة الملك الحازم خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز.. القائد الخبير والمحنك الذي يعرف ماذا يريد، ويعرف إلى أين يقود شعبه وأمته، وبمبادرة نابهة من الأمير الشاب صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع؛ يُعتبر في نظر الكثير من المراقبين توقيتا مثاليا، ليس لأنه يأتي استجابة للمتغيرات الكبيرة في أسواق النفط العالمية؛ بغية فتح الأبواب أمام برامج تنمية مستدامة، تتنوع فيها مصادر الدخل الوطني، وتتعدد داخلها إطارات الإنتاج التي تعتمد على عطاء الإنسان وكفاءته وقدراته، بعيدا عن الاعتماد على المواد الخام، وبالتالي الارتهان لمعطيات الأسواق، ليس لهذا فحسب مع أهمية ذلك؛ وإنما أيضا لأن توقيت الإعلان عن هذا المشروع «الحلم» يأتي في أوج عودة الكثير من قوافل الابتعاث، التي ربما تشكل بمحصلاتها العلمية الركيزة الأساس لهذا المشروع الوطني الكبير، وهي كتلة علمية يضاهي حجمها حوالي ربع المليون من الشباب والشابات من حملة المؤهلات الجامعية والماجستير والدكتوراة، وفي تخصصات مهمة من جامعات عالمية عريقة، من شأنها أن توفر لهذا المشروع الوطني العملاق ما يحتاجه من العقول والطاقات الشبابية المؤهلة تأهيلا عاليا، إلى جانب مخرجات الجامعات المحلية.وهذه الوفرة في الطاقات ستوفر لمشروع التحول الكثير من الوقت الذي أخذته دول كثيرة مرت بمثل هذا المشروع: كماليزيا، سنغافورة، كوريا، وغيرها من الدول التي ابتدأت مشاريعها بالتعليم، واستغرقت المزيد من الوقت لتصل إلى ما وصلت إليه.لهذا، تصبح قيمة توقيت إعلان هذا المشروع بالتزامن مع عودة أعداد كبيرة من شبابنا المبتعثين بأعلى الشهادات والتخصصات أمرا في غاية الحيوية، ربما تكون له اليد الطولى في إظهار بصمة صناعة التحول، واختزال الوقت، وهي كما هو معروف صناعة تحتاج إلى مساحة زمنية كبيرة؛ لإحداث النقلة المطلوبة، وبالتالي زرع قيمها في الوسط الاجتماعي كثقافة وطنية، تحل محل القناعات الكلاسيكية القديمة التي كانت تنظر للوظيفة كجزء من الضمان الاجتماعي، مثلما يحدث غالبا في منظومة أي اقتصاد ريعي يعتمد على الاستثمار في المواد الخام. لهذا يبدو أننا أمام مساحة واسعة من التفاؤل بقيام ونجاح هذا المشروع الكبير، الذي يجب أن يحظى بدعم كافة شرائح المجتمع، خاصة في ظل وجود قيادات شابة ومتحمسة لإحداث هذه النقلة النوعية التي ستأخذ البلد إلى المكان الآمن، الذي لا يخضع لسلطات أسواق المواد الخام وتقلباتها؛ لأنه يمتلك زمام تنميته بسواعد أبنائه وأفكارهم وإبداعاتهم وحيويتهم، وهذا هو الفارق بين المجتمعات اليقظة التي تستثمر في إنتاج عقولها، والمجتمعات المستكينة التي تستثمر في إنتاج حقولها وحسب.