محمد السماعيل

هل يكره الناس الرحمة؟!

الناس يكرهون الاختلاف، ولا يطيقون عليه صبراً، ويعرضون عنه كلّ الإعراض، لأنه يؤدي إلى التفتت والتشرذم، ويجعلهم يتفرقون، ويحبون الائتلاف كلّ الحب، ويرضون عنه كلّ الرّضا، لأنه يؤدي إلى الوحدة والتآخي، وتقول الحكمة الدانمركية في هذا السياق: الإجماع هو أفضل القلاع.. ورغم أن هذه حقيقة واضحة لا شك فيها.. إلا أن الاختلاف طبيعي.. وربما أنه فطري، قابع في داخلنا.. متأصل فينا - نحن البشر – فهو يطرح نفسه بالقوة على كل ثقافة، إذ لا يوجد مجتمع يخلو من الاختلاف والتنوع والتعدد، ولا أمة سلمت من الانقسام والفرقة، ولا اعتقاد برأ من الشك والاختلاف!!.لو كان الناس متفقين في الرأي والفعل، لما نشبت الحروب، ولما عم الدمار أرجاء المعمورة.. ولولا الاختلاف بين الناس لما احتجنا للشرطة، ولما احتجنا للمحاكم والترافع، ولأصاب مهنتي المحاماة والقضاء البطالة!!.الائتلاف والوحدة هما من صناعة العقل، ونتيجة من نتائج الثقافة، وإن أردنا الدقة في التعبير، سنجد أن الثقافة ترمي إلى ضبط البشر وجمعهم وتوحيدهم، وهي المعيار الذي يضبط الرغبة، وهي المبدأ الذي ينظم السلوك ويحدد الغايات، وفي نفس الوقت - أيضاً - الثقافة تعمل على إكساب أي جماعة إنسانية هويتها، وهذا يعمل على الاختلاف والتأليف في آن واحد، فيا لها من (عملة) ذات وجهين.. إن صح هذا التعبير!!.بعد البحث في هذا المجال وجدت أن الاختلاف عياني ومشهود أي نراه بالعين، بينما الائتلاف معقول وغائب أي نراه بالعقل!!.. وكلاهما من صنع العقل البشري الراشد الذي يشقي صاحبه أيما شقاء.. أو كما قال شاعرنا (المتنبي):ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم العقل البشري يطلب التوحيد ويسعى اليه، ولكنه - مع الأسف - متى ما تغلبت ظنون الخيال على نوره لا ينتج إلا الفرقة، وعلى البشر أن يتقبلوا نتاج عقولهم ويتعاملوا مع ذلك الناتج.. وهم - على كل حال - يتعاملون مع نتائج ما تفرزه عقولهم سواء رضوا أم أبوا.. فها همّ البشر يختلفون لأتفه الأسباب ويأتلفون لأتفهها.. ينقسمون ويتوحدون.. وتنشب الحروب بسبب الاختلاف، ونرى أن كلّ فريق منهم يرى أنه هو المصيب، فيقطع بصدقه وبكذب خصومه.وهنا أتساءل: أليس الأصل هو الاختلاف؟.. أليس في عصيان ابليس لخالقه واعتراضه عليه اختلاف؟!!.. أليس في المخالفة - التي جعلت آدم وحواء عليهما السلام يهبطان إلى الأرض – اختلاف؟!! ألم تكن هي البداية والأصل؟!.. أليس الأصل بمعناه الأصلي هو أسفل الشيء وكذلك هو ما يبنى عليه؟!.. أليس ذلك دليلا على أن الاختلاف متأصل في الإنسان.. بل ثابت ومغروس في أعماق البشر في عمق لا قرار له؟!!. وفي المقابل نجد أنه لو لم يختلف الناس عن بعضهم لما تعارفوا ولم يعرف بعضهم بعضا، ولولا اختلاف الدرجات والمراتب لما انتظمت الأمور ولعمت الفوضى، ولولا اختلاف الآراء لسيطرت علينا البلادة والجمود.. حقاً إن الاختلاف رحمة.. ولكن العجيب في بني البشر أنهم يكرهون الاختلاف ويحبون الائتلاف، فهل تراهم يكرهون الرحمة؟!!. الأمر يحتاج الى المزيد من التأمل.. أليس كذلك؟!