مجلس التعاون والتريث المضني
يبدو أن ما يحدث في مجلس التعاون هو خلط بين الحالتين؛ أننا قررنا التكامل لكننا نمارس التفرد، عبر تأجيلنا وتسويفنا للاندماج. وهكذا، يمكن تفسير سبب التأخر – ولا أقول التعثر - في تحقيق تطلعات النظام الأساسي لمجلس التعاون، حيث أننا تبنينا منهجاً ارتكازياً مؤداه أن ليس بوسع المواطن الخليجي (الطبيعي والاعتباري) ممارسة أي نشاط إلا بقرار، في حين كان بوسعنا أن نقول: يجوز لمواطني دولنا ممارسة كل شيء إلا ما يستثنى بقرار. هذا هو الفرق الجوهري بين صيغتي التعاون والاتحاد ولا محل للصيغ المقولبة.يعقد اجتماع قمة مجلس التعاون السادسة والثلاثين في الرياض وسط تحديات غير مسبوقة تحيق بالمنطقة العربية إجمالاً وفي التخوم اللصيقة بمجلس التعاون تحديداً، بما يجعل القمة أمام أجندة ساخنة على المستوى الخارجي وتحديداً العربي، بعد أن ضعف الصف العربي وتدهور سمته، لتبقى دول المجلس الست هي التي يعول عليها لترميم ما يمكن ترميمه، والسعي للحفاظ على المصالح العربية من تعديات الطامعين، بعد أن أصبح عالمنا العربي هو "الرجل الضعيف" للقرن الواحد والعشرين، فتحلقت حوله الدول انتهاكاً وسلباً، فأصبح التدخل في شئون دوله مستمرأً، ويقابل الانقضاض على هويته وكينونته بالخنوع. في هذه الظروف العربية المؤلمة تنعقد القمة الخليجية في الرياض، في المدينة التي فرزت خياراتها جيداً؛ بأن علينا الحفاظ على المصالح العربية بعيداً عن التدخلات والتطفل، وسلكت في سبيل ذلك المراكب الصعبة.وليس من شك أن دول المجلس الست تحرص على تقارب دولهِ، لكنها تختلف لأي حد يكون التقارب! حالياً، الأمور ليست كالمعتاد في منطقتنا. ليس هذا من باب الإرجاف، لكن من المسلم به أن الأمور ليست كالمعتاد، ليس فقط لما يدور حولنا في دول عربية محورية كاليمن وسوريا والعراق ومصر وليبيا، بل كذلك لما أصاب خزائننا من إنهاك نتيجة لتراجع إيرادات النفط، الذي نعتمد عليه اعتماداً شبه كلي لتمويل الأساسيات في حياتنا اليومية، وعليه فليس مجدياً أن تبحث كل دولة عن حلول بمفردها، وهي جزء من كيان يسعى لتحقيق وحدة على أكثر من صعيد، بما فيها التكامل الاقتصادي.أقول بعد ممارسة لصيقة للعمل الخليجي تقارب ربع قرن، في جوانب لصيقة بالملفات الاقتصادية، إن تلك الملفات تكابد من ظاهرة مؤلمة ومعطلة في آنٍ معاً؛ وهي أننا نُطلق المبادرة ثم لا نكملها تماماً، لنأخذ مثلاً التكامل الاقتصادي، ولنأخذ ضمن هذا الملف ملفات فرعية مثل الاتحاد الجمركي، ليقول من يريد ما يريد، لكن الاتحاد الجمركي لم ينفذ بالكامل، فالبضائع لا تنساب، والعوائق أمامها عديدة، لماذا لا تصبح دول المجلس الست منطقة جمركية واحدة؟ مجرد مثال، والأمثلة عديدة. لن أستطرد، فما تمليه الظروف المحيطة ضرورة العمل سوياً، فالعمل الخليجي المشترك خلق لمثل هذه الظروف، لكن كيف؟ سنجد أننا أمام فريقين: اتحاديين وتعاونيين، ومحور الجدل هو: كيف نتحد ونحن لم نتعاون بما فيه الكفاية، مقابل لنتحد فقد تعاونا بما يكفي! لكن ثمة فريق ثالث، وقبل الحديث عنه يجدر التذكير أن دول مجلس التعاون، قبل أن تُؤسس منظمةً إقليميةً سمتها "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، كانت نسيجاً اجتماعياً واحداً واقتصاداً متكاملاً مندمجاً، ولا يجدر بنا الظن أن قيام المجلس –مع وافر التقدير - هو ما أوجد الأواصر الاجتماعية وأنشأ الصلات الاقتصادية، بل بوسعي القول إنه قنن وقيدّ، إذا ما قارنا بين الحال ما قبل وما بعد. ولا يغير من تلك الحقيقة استقلال الدول وتعاظم مداخيلها من النفط، فكل ذلك لم يؤثر على الواقع الراسخ في شيء؛ هي دول تنادمت مع الفقر سوياً وانتقلت إلى الثراء في حقبة واحدة، وبقيت مجتمعاً عربياً واحداً موزعاً على جغرافيا جزيرة العرب وتخومها. وما دام أن الحكومات استطاعت تكوين سياج يحافظ على وظائفها الحيوية، ولا سيما ما يتعلق بالجوانب العسكرية والأمنية، فلا أقل من أن تبذل جهداً جماعياً للتعجيل باستعادة المجتمع الخليجي لكامل تقاربه على مستوى الأفراد والأسر ومؤسسات المجتمع المدني من جهة، وإزالة التقسيمات الاقتصادية التي تؤدي لا محالة لتوليد اقتصادات متنافسة يسعى كل منها لالتقاط الفرصة أولاً! ولا بأس أن يزدهر التنافس بين الفرقاء، أما بين الشركاء فلا معنى له بل يصبح عنصر إيذاء. لكن ما منبع هذا التنافس؟ لعل الإجابة الأقرب هي أن زخم التكامل الخليجي أضعف من بريق انفراد كل دولة مجتمعياً واقتصادياً. هنا تبرز نقطة قرار، إذ لا مفر من الاختيار بين التكامل أو الانفراد، ولعل إشكالية مجلس التعاون الجمع بين النقيضين، والإصرار على ذلك.