الحفاظ على مجلس التعاون!
على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن تعيد ولادة هذه المنظمة الجامعة لهم من جديد، فالمنطقة تمخضت عن واقع تكتنفه طلاسم تشابكت على مدى السنوات الست الماضية، ويعززها ما يَمرّ حالياً، وما سيتمخض عنه المستقبل القريب، والمنظمات الناهضة هي التي تستبق الأحداث وأحياناً تصنعها وتهندسها. حالياً، مجلس التعاون كمنظمة إقليمية، تعاني السبات وعدم القدرة على مواكبة مرحلة زاخرة بالأحداث والمتغيرات الثقيلة الوطء، رغم أن منطقتنا لم تخل قط من التحديات، فما بدأ "كربيع عربي" نجده أصبح واقعاً يحمل سمات متقلبة بتحديات لم نعهدها من قبل، وفي ركاب ذلك "الربيع" تفتت دول وأخذ الإرهاب فيها مأخذاً بالغاً.المنظمات الرتيبة هي منظمات قائمة، لكن دون تأثير، ونحن لا نريد لمنظمة مجلس التعاون أن تنشغل بالتوازنات البينية دون الانطلاق للملفات المستجدة التي تفرضها الساعة، ودون حسم ملفات مصيرية قضت دهراً بين أخذ ورد. وبالقطع فمن مستجدات العلاقة بين دول المجلس التعاون أن تكون صيغة التعاون أكثر التصاقاً بالواقع، فهناك من قولب وعرف وحاصر مفهوم "التعاون" حتى أصبح إطاراً حابساً - حتى لا أقول خانقاً - ليس فقط على المستوى الاقتصادي - الاجتماعي بل حتى فيما يتصل بدور الأمانة العامة والتزامات الدول لتنفيذ ما يتخذ من قرارات. فهناك من لا يريد أن يبرح "التعاون"، ومن لا يريد أن يفعل "التعاون" حتى أصبح "التعاون" اسماً ووسماً للتهاون في التنفيذ وللإطالة على تحقيق الاتفاقات، وكأن وقتنا لا سقف له!وليس هناك حل عملي لتحقيق ذلك سوى توسيع صلاحيات الأمانة العامة للمجلس والارتقاء بها لتصبح مفوضية، وأن ينسى من يعمل في الأمانة العامة أنه "ممثل" لهذه الدولة أو تلك، بل أقترح أن تصدر لهم جوازات خليجية ليتذكر دائماً أنه مواطن "خليجي" يمثل الدول الست، وليس مهمته أن ينافح عن مصالح دولة بعينها، فتلك مهمة جهات أخرى.وفي حال تطبيق هذا المفهوم الواسع والمجرب، فسنرى مفوضاً للشؤون الخارجية وآخر للشئون اقتصادية وثالث للبنك المركزي الخليجي، وربما نرى مفوضا للسوق الخليجية المشتركة، وآخر للنقل والمنافذ. وستتمتع "المفوضية" بميزانية تمكنها من التنفيذ، وليس ميزانية فقط لعقد واستضافة الاجتماعات وتوابعها. وإن كانت بعض الدول الأعضاء قد اتخذت موقفاً من موضوع الانتقال من صيغة التعاون لصيغة الاتحاد، فليس هناك ما يبرر ألا يتجه العمل بوسائل متطورة لإنجاز التل المتعاظم من القرارات غير المنفذة تنفيذا كاملاً، فهي قرارات للمجلس الأعلى. وعدم حسم الانتقال من صيغة التعاون للاتحاد لا يتعارض بتاتاً مع ترقية الأمانة العامة لتصبح مفوضية؛ حتى نتعاون بحماس وحرقة، وليكون على كل مفوض أن يتولى التأكد من تنفيذ الدول للقرارات المتخذة التي تقع في جهة اختصاصه، وبذلك ستصبح الأمانة العامة (أقصد المفوضية) قاطرة للعمل الخليجي المشترك وليس مجرد حاضنة لاجتماعات اللجان على تفاوت مستوياتها ومسئولياتها، فاللجان ليست هيكلاً إدارياً ملائماً لاتخاذ القرار فما بالك بتنفيذه، ولعل اللجان - كآلية - تصلح للتشاور أو لصياغة مسودات القرارات، أما القرارات فتتخذ من قبل المجلس الأعلى، أما المجالس (ولا أقول اللجان) الوزارية فيناط بها التنفيذ المعجل عبر مفوضين مخولين. لكن ما الذي نشاهده الآن؟ نشاهد "جمود" الملفات المحورية ذات الصلة بالملفات الاقتصادية وبالعملة الخليجية الموحدة، في حين أن هذا الوقت هو وقت إكمال التنفيذ، إذ ليس ملائماً ألا نقرّ صيغة الاتحاد من جهة ولا نعمل بجد واجتهاد وتحرق بصيغة التعاون، أي إن لم نتحدّ فليس أقل من أن نتعاون بفاعلية، وأن نسعى للتنفيذ لاسيما الملفات الاقتصادية - الاجتماعية، فهذه يجب ألا تُقيّد بشرط أو ظرف، فنحن أخوة منذ الأبد وسنبقى –بإذن الله- كذلك للأبد، فبيننا وشائج دم وقربى.وحماس دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لتنظيف الطاولة من الملفات التي أصبحت الطاولة سكناً أمر ضروري تحقيقه، فالآن هو الوقت لتبين دول المجلس للعالم تعاونها وسط كل المتغيرات والظروف والتحديات. ولعل من الملائم أن تتخذ اللجان الوزارية القائمة خطوات تتصل بإقرار هيكلية جديدة لعمل المجلس، بما في ذلك الارتقاء بدور وصلاحيات الأمانة العامة حتى تستطيع أن تنفذ ما يُقرّ، لا يرأسها أمين عام يساعده أمناء مساعدون، بل يشرف على أعمالها مفوضون. وبوسعنا ألا نفعل بأن نبقي الوضع على ما هو عليه، لكن تبعات ستكون أن أداء الغد لن يختلف كثيراً عن الأداء في الماضي؛ وبالتالي عدم رضا عما ينجز. ومن جهة أخرى، ثمة فرق بين الانشغال في إطفاء الحرائق وبين العمل الاستشرافي المبادر، كما أن السعي للتعامل مع قضايا - وإن كانت مهمة - ثم عدم إنجاز ملفاتها بالكامل بعض مضي سنوات طوال لا يرسم صورة إيجابية عن المنظمة وأدائها، ولذا أعود "لتنظيف" الطاولة مما هو متراكم لتعزيز الرضا المحلي، فالأمور ليست كالمعتاد في منطقتنا، وهذا الإنجاز لن يتحقق بالأدوات المعتادة التي جرت عليها العادة، إن لم تتوافر الموارد وتتعاضد الإرادة الجماعية لإنجازه.