عبدالله الغنام

حتى لا نغرق..

ما حدث في الأيام القليلة الماضية في عدة مناطق من بلادنا الحبيبة هو أمر غريب وعجيب. أما الغريب فيه فلأننا جميعا نتمنى وننتظر المطر بكل شوق من كل سنة، ولكن حين سقطت زخات منه صارت شوارعنا أنهارا، والأراضي الخالية بِرَكا وبحيرات.وأما العجيب، فقانون الجاذبية سهل جدا للاستخدام والتعامل معه خصوصا من المصممين والمهندسين للمدن والطرق! فكل ما علينا فعله هو جعل الماء ينساب من المناطق المرتفعة إلى المنخفضة فقط لا غير، وبدون عوائق من مبان وغيرها. وقد استطاع من كان قبلنا منذ عهد اليونانيين والرومان بناء مدن بها جسور وقناطر مقوسة في بطون الأودية لتفادي الفيضانات والسيول والكوارث المائية، ولتسهيل حركة الناس والدواب.وحتى الفراعنة قبل ذلك حاولوا التأقلم مع هطول الأمطار وفيضانات النيل، فكان هناك عدة نقاط لقياس منسوب المياه. منها مثلا مقياس النيل في أسوان؛ لقياس ارتقاع الماء بالأذرعة؛ لتفادي أو لتقليل الخسائر في الأنفس والمحاصيل. بل والاستفادة منه أيضا في نقل أطنان من الحجارة من أجل بناء الأهرامات.وكذلك فعل المسلمون من بعدهم، فقد تفننوا في تصريف الأمطار إبان حضارتنا الأخاذة حيث استخدموا القناطر والجسور بأشكال وأحجام مختلفة، والبعض منها بقي إلى يومنا هذا شاهدا على ذلك. إذا المسألة ليست حديثة العهد أو فنا جديدا لم يعرفه أحد من ذي قبل! بل إن هناك مدنا تعيش فوق الماء، فمثلا جزء كبير من مدينة فينسيا (البندقية) قائم على الماء منذ قرون، وبها ما يقارب من400 جسر! وقد تأقلموا مع عوامل الطبيعة. المشكلة الرئيسية هي أننا نحاول إقامة وإنشاء الأحياء السكنية، والمجمعات التجارية والتعليمية والطبية وغيرها في كثير من المناطق بفكر وهندسة مخالفة لتضاريس الطبيعة. ولذلك علينا مراجعة بعض من الحلول في هذه القضية، منها: الالتزام بالتخطيط حيث لا يصرح لأي أحد تطوير الأحياء إلا بعد أن يكون هناك مجار متكاملة لتصريف الأمطار والسيول. وحتى في المناطق والقرى النائية، حيث يمتلك البعض قطعة أرض في مكان منخفض مثل: الأودية، فبالإمكان إلزامه بحلول هندسية مدروسة ومجربة إما برفع مستوى المنازل على أعمدة أو قناطر أو ما كان في حكمها، أو التعويض بأراض بضفاف الأودية. وبقليل من الحزم نستطيع إجبار المستثمرين للأحياء والتعاون مع المواطن على تنفيذ الشروط، فقد تمكنا من فعل ذلك في أمور أقل أهمية حين أردنا!!.وأمر آخر مهم لا بد أن يعيه القائم والمشرف على هذه المشاريع للبنى التحتية، أن هناك أنفسا بشرية ستزهق، وممتلكات بالمليارات سوف تذهب هباء منثورا؛ بسبب أخطاء هندسية غير مقبولة ولا معقولة أو بسبب الإهمال والتساهل.وأما من الناحية التنفيذية، فنحتاج أيضا إلى شيء من الحرص والإتقان في العمل، اتباعا لقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله تعالى يحب إذ عمل أحدكم عملا أن يتقنه". ويكون ذلك بالتشديد في قضية إعطاء الرخص، بحيث لا تمنح لأحد إلا بعد مطابقة الشروط والمواصفات خصوصا في مسائل مهمة جدا مثل هذه؛ لأن فيها حماية للأرواح والممتلكات. والتساهل أو المحاباة أو الأخطاء سيكون أثرها كارثيا.وأما من ناحية العلاج للمشاكل القائمة حاليا، فلا بد من تقسيمها حسب الأهمية من حلول عاجلة ومتوسطة وطويلة الأجل. لأن الواقع أن لا أحدا يملك عصا موسى! ولكن بأسلوب تقسيم الأهداف إلى أجزاء، وتقسيم المهام حسب المناطق ثم المدن ثم الأحياء سيسهل عملية المتابعة والإنجاز، بعيدا عن ردود الأفعال (الترقيع)؛ لأنه سوف يدخلنا في متاهة لا تنتهي.ومن المهم أيضا الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين في هذا المجال، وخصوصا الدول التي تهطل عليها الأمطار طوال السنة، فلا نحتاج -كما يقولون -إلى (Reinventing the Wheel) بمعنى أن نبدأ من الصفر. والحلول الهندسية كثيرة ومتنوعة، ولن نعجز عن حل هذه المشاكل، ولكن العقدة التي في المنشار هي الخطة والتنفيذ مع التشديد في المراقبة.وأخيرا.. هل سنتمكن في السنوات القادمة أن نستمتع بالمطر من دون فواجع غرق، وخسائر في الأموال والأنفس والممتلكات؟!