سكينة المشيخص

الموروث بين الطائفية والتطرف

هي شعرة بين الطائفية والتطرف، كلاهما ينتج الآخر، متلازمان كما تلازم التفكير والتكفير، حين يغيب الأول يحضر الثاني، وحين يحضر الثاني يغيب الأول، وذلك ليس لسبب إلا المرجعية المفرطة في الإقصاء، وحين لا يكون هناك توازن ننتهي تلقائيا إلى اختلال في منهج الفكر كله والذي محله العقل، وهو نسبيا معطل لارتكازه العميق إلى موروث تاريخي جعل من الصعب التمييز بين الأشياء، ولذلك يتسرب ذلك الموروث عبر الزمن دون مناعة فكرية أو حائط صد عقلي لأنه لم تقم مشاريع جدية لتحقيق حالة التوازن.حين ننظر إلى الحياة في مجملها فإنها قائمة على متضادات، الخير والشر، الحق والباطل، العدل والظلم، وهكذا، لذلك يعمل العقل على التفكير والاختيار والتدبر، لتمضي الحياة سلسة وسهلة بعد فك تعقيداتها، أما أن تبقى راحلة مع الأجيال والتاريخ فذلك ينطوي بالتأكيد على بؤس ذهني وهذيان ينتهي بنا إلى إنتاج المتطرفين والطائفيين والإرهابيين وغيرهم من منظومة الشر الإنساني التي تهدد أمن واستقرار وسلامة المجتمعات، والفكرة في هذا السياق هي أن فهم التاريخ كان سيئا وترتب على ذلك إساءة فهم الموروث وتنقيحه وتطويره أو تجديده بصورة جوهرية وليست قشرية.إساءة فهم التاريخ تتمثل في التعامل معه بشكل مقدس، وتلقين لا يقبل النظر أو إعادته في مجرياته، أي التسليم به كنصوص محكية سرديا، بغض النظر عن اختلاف الروايات، ولذلك ظهرت فلسفة التاريخ لتبحث في عمق المحكيات وتشرحها، ولكن دون دور عقلي فاعل ومؤثر من الصعب على قارئ تاريخ أن يفكك أي مفارقات تاريخية، ليصبح الوضع على حاله ويعيد التاريخ نفسه بصورة متكررة بكل أزماته ونرث روايات ليست قابلة لسوء الفهم وإنما تعطّل الحقوق في تفكيك الموروث وبلورته لصالح الحاضر.إذا لم يكن الموروث قابلا للتفكيك والتشريح فهو بلاء مؤكد، وذلك للأسف ما نحصده في دعمه لتلك النصوص التي يتكئ عليها المتطرفون لتبرير سوءاتهم الدينية والمجتمعية، ليبقى حال التمايز ماثلا مثل تمثال أو صنم لا يمكن للمجتمعات تجاوزه والمضي قدما في حياة لم تعد كالسابق، وإنما تحتاج لأن نقفز فيها جسور الثقة والتشويهات التاريخية التي حدثت بكل مراراتها وأحقادها، وكأنه لم تعد هناك فرصة لها لكي تتسامح وتتعايش وتتقارب وتتمسك بالقواسم المشتركة، وذلك من أسوأ ما يمكن أن يهدد أمن وسلامة المجتمعات أن تتراوح بين طائفية وتطرف بلا توازن أو منهج سلمي وإنساني يعالج الخلل الفكري في الذهنية الفردية المعاصرة ويجعلها أكثر انفتاحا عقليا ونفسيا على الآخرين دون حسابات تاريخية معقدة عفى عليها الزمن ولكننا نحييها بدلا من إحياء ما هو أهم وهو العقل.